فحينئذٍ أعملت هذه الأحرف لهذه المشابهة القوية بالفعل أعملت في الجزأين رفعًا ونصبًا، لكن عكسوا العمل، الأصل في الفعل أنه يرفع أولًا وينصب ثانيًا، وهذه الأحرف نصبت أولًا ورفعت ثانيًا، إذًا عكسوا، ما دام أنها أشبهت الفعل فالأصل فيها أنها ترفع ثم تنصب، كما أن الفعل يرفع ثم ينصب، لماذا؟ قالوا: عكسوا عملها لئلا تلتبس بالفعل، لأنه إذا ظن ظان أنها رفعت أولًا ثم نصبت قد يظن الظان أنها أفعال حقيقية، وليس الأمر كذلك، ثانيًا تنبيههم على الفرعية؛ لأن هذه جاءت بالفرع وليست بالأصل، حينئذٍ رفع الفعل للمرفوع الذي طلبه إما فاعل وإما نائب فاعل وهذا عمدة.
والأصل في نصب اسم (إن) أنه للمبتدئ، حينئذٍ هو عمدة من جهة الأصل، فحينئذٍ عملت عملها معكوسًا ليكون معهن كمفعول قدم وفاعل أخر تنبيهًا على الفرعية، ولأن معانيها في الأخبار فكانت كالعمد والأسماء كالفضلات فأعطي إعرابيهما، فحينئذٍ نقول: هذه أعربت أو عملت عمل الفعل تشبيهًا لها.
قال رحمه الله:
لإِنَّ أَنَّ لَيْتَ لَكِنَّ لَعْلّ ... كَأَنَّ عَكْسُ مَا لِكَانَ مِنْ عَمَلْ
كَإِنَّ زَيْدًَا عَالِمٌ بِأَنِّي ... كُفْءٌ وَلَكِنَّ ابْنَهُ ذُو ضِغْنِ
ِلإِنَّ أَنَّ لَيْتَ لَكِنَّ لَعْلْ بإسقاط حرف العطف، والأصل (لإِنَّ وأَنَّ ولَيْتَ ولَكِنَّ ولَعْلْ وكَأَنَّ) وقلنا هذا جائز متفق على جوازه في الشعر مختلف على جوازه في النثر، وابن مالك يجوزه.
عَكْسُ مَا لِكَانَ مِنْ عَمَلْ ما هو عمل كان؟ ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، (إن) عكسها بمعنى أنها تنصب الاسم وترفع الخبر.
عَكْسُ المراد بالعكس هنا العكس اللغوي، يعني المخالفة وليس المراد به العكس الاصطلاحي.
عَكْسُ مَا لِكَانَ مِنْ عَمَلْ عكس مبتدأ مؤخر وقوله: لإِنَّ وما عطف عليه خبر مقدم.
عَكْسُ مَا الذي لِكَانَ الناقصة ليست للتامة، لأن التامة لا تنصب، وإنما هي ترفع فحسب، فحينئذٍ الذي يرفع وينصب هو كان الناقصة.
عَكْسُ الذي لكَان جار ومجرور متعلق بمحذور، صلة الذي، يعني الذي استقر لكان.
مِنْ عَمَلْ هذا متعلق بالاستقرار المحذوف، من عملٍ إذًا المشابهة بكان هنا من جهتين في كون كان تدخل على المبتدئ والخبر، فحينئذٍ (إن) تدخل على المبتدأ والخبر، وكان تعمل في جزأين رفعًا في الأول والثاني نصبًا، و (إن) تعمل عكس عمل كان، وهو نصبًا للأول ورفعًا للثاني، مع اتفاقهما في كونهما يدخلان على المبتدئ والخبر، وكل ما اشترط في المبتدئ الذي يجوز الدخول عليه في باب كان مشترط في هذا الباب، فقلنا هناك: يشترط في كان أنها لا تدخل على مبتدئ له لزوم الصدر كأسماء الاستفهام، وكذلك المبتدأ الذي هو واجب الحذف كالنعت المقطوع والمبتدئ الذي هو لازم للابتداء لا يتصرف كطوبى للمؤمن، فحينئذٍ نقول: فكل ما اشترط في المبتدئ هناك يشترط فيه هنا في باب (إن) وأخواتها.