وَوَصْلُ مَا بِذِي الحُرُوفِ مُبْطِلٌ ... إعْمَالَهَا: إِعْمَالَهَا أبطلت عملها، لأنها تزيل اختصاصها بالأسماء، وتهيئها للدخول على الفعل، فوجب إهمالها لذلك، ويستثنى من ذلك ليت، فإنها لا تبطل اختصاصها بالأسماء، بل هي هي، كما هي باقية على أصلها، وإن جاز فيها الإهمال والإعمال، ليت يستثنى من هذه الأحرف لا تكفها (ما) عن الدخول على الجملة الاسمية، بل يبقى الحال باختصاصها بالجملة الاسمية، ووجوب الإهمال هو مذهب سيبويه والجمهور، يعني: إذا دخلت (ما) الكافة هذه على (إن) وجب الإهمال، فلا يجوز النصب: إنما زيد قائم، هذا واجب، مذهب سيبويه والجمهور على هذا، ولا يجوز إنما زيدًا قائم، لماذا؟ لأنها إنما أعملت لاختصاصها بالجملة الاسمية، فلما دخلت عليها (ما) الزائدة زال اختصاصها فبطلت العلة التي من أجلها أعملت، فحينئذٍ بطل عملها، ولا يجوز إعمالها، هذا هو ما عليه جماهير النحاة؛ أن هذه الحروف إذا دخلت عليها (ما) الزائدة كفتها عن العمل، ووجب إهمالها، فلا يجوز إعمالها، إلا ليت فيجوز فيها الوجهان، وذهب بعض النحاة وهم قلة ومنهم الناظم -ابن مالك رحمه الله- أن العمل باقٍ، لكنه قليل، فيجوز حينئذٍ: إنما زيدًا قائمٌ، أنما زيدًا قائمٌ، لكنما زيدًا قائم، جائز عند المصنف رحمه الله تعالى، لماذا؟ لأنه سمع في ليت الإهمال والإعمال، وحكى بعضهم إنما زيدًا قائمٌ حكى بعضهم أنه سمع: إنما زيدًا قائمٌ، وهذا إعمال لها، حينئذٍ قاسوا على ليت بقية أخواتها بجامع أن كلًا منها أحرف تدخل على المبتدئ فتنصبه والخبر فترفعه، وكذلك مادام أنه سمع: إنما زيدًا قائمٌ، حينئذٍ فليكن ذلك مطردًا في بقية الأحرف، ولذلك قال: وَقَدْ يُبَقَّى الْعَمَلُ.
مُبْطِلٌ إعْمَالَهَا: إذًا هذا هو الأصل، وهذا هو الكثير المطرد في لسان العرب، أن (ما) الزائدة إذا دخلت على هذه الأحرف أبطلت عملها، وهذا هو الوارد في لسان العرب، ولكن في قلة قَدْ يُبَقَّى الْعَمَلُ كما هو، ولذلك قال: (وَقَدْ) قَدْ هنا للتقليل.
يُبَقَّى العَمَلُ: حكى الكسائي والأخفش إنما زيدًا قائمٌ، إذًا: نطقت العرب بنصب معمول (إن) بعد دخول (ما) الزائدة، حينئذٍ دل على أنهم قد أعملوها كأصلها، يعني: كما لو لم تدخل عليها (ما) الزائدة، لكن الصواب أن ما حكاه الأخفش والكسائي هذا يعتبر شاذًا، يعني: يحفظ ولا يقاس عليه.