إذا قيل: لا رجل في الدار قلنا هذا نص في نفي الجنس، هل يصح أن يقال: لا رجل في الدار بل رجلان؟ تناقض هذا، ولا يصح أن يقال: لا رجل في الدار بل رجال، هذا تناقض، ويصح أن يقال: لا رجل في الدار بل امرأة؛ لأنك نفيت جنس الرجل، فحينئذٍ نقيضه المرأة لا بأس بوجودها، فإذا نفيت جنس الرجل حينئذٍ استلزم نفي الأفراد، فإذا قلت: لا رجل نفي كل فرد من أفراد هذا اللفظ، فإذا قلت: بل رجل، بل رجلان، بل ثلاثة، بل رجال .. نقول هذا كله يعتبر من التناقض، لماذا؟ لأنك نفيت الجنس ونفي الجنس يستلزم نفي الآحاد والأفراد، فيمتنع حينئذٍ أن تعطف على مدخول (لا) النافية للجنس بإثبات اثنين أو ثلاثة، تقول: هذا فاسد ويعود على الأول بالنقض، وأما لا رجلٌ في الدار فهذه النكرة التي وقعت في سياق النفي محتملة لأمرين: إما أنها لنفي الوحدة، وإما إنها لنفي الجنس، فحينئذٍ هي مشتركة مع (لا) النافية للجنس إلا أن (لا) النافية للجنس نص في العموم، لا تحتمل أبدًا الوحدة، وأما (لا) النافية أو (لا) التي تعمل عمل ليس .. فهذه ليست نصًا في نفي الجنس، وإنما هي محتملة، فحينئذٍ يحتمل إذا قيل: لا رجلٌ في الدار، المراد به نفي الوحدة، ولذلك يصح أن يقال: لا رجلٌ بل رجلان، صحيح هذا، لماذا؟ لأنك قلت: لا رجلٌ يعني: لا واحد، فإذا نفيت الواحد حينئذٍ يحتمل الوجود الاثنين والثلاثة والعشرة، وأما إذا قلت: لا رجل في الدار -هكذا- دون عطف، حينئذٍ احتمل الأمرين، ونحملها على نفي الجنس، ولذلك من القواعد المقررة عند الأصوليين أن النكرة في سياق النفي تعم، وهل هذه منها -لا رجلٌ في الدار-، داخل في القاعدة؟ نعم داخل في القاعدة، لكن النكرة في سياق النفي، إما أن تكون لنفي الجنس، فحينئذٍ تكون نصًا في العموم، وهذه خاصة بـ (لا) النافية للجنس، وإما أن تكون ظاهرة في العموم، وفرق بين نص العموم والظهور في العموم.
النص لا يحتمل أبدًا، بل قيل لا يحتمل التخصيص أصلًا، وأما الظاهر في العموم فهذا محتمل، كما هو الشأن في: لا رجل ٌفي الدار، قلنا ظاهره أنه لنفي الجنس، فحينئذٍ هي ظاهرة في العموم، فإذا لم توجد قرينة تدل على الوحدة مع كونها محتملة لها فنحمله على العموم لكنه ظاهر وليس بنص.
فإنها عند إفراد اسمها لنفي الجنس ظهورًا لعموم النكرة مطلقًا في سياق النفي، ولنفي الوحدة -وحدة مدخولها المفرد،- هذا أيضًا محتمل بمرجوحية-، فتحتاج إلى قرنية، حينئذٍ إذا جاء اللفظ هكذا: لا رجلٌ في الدار، تحملها مباشرة على أنه لنفي الجنس، لكنه ليس نصًا بل هو ظاهر، فإذا أردنا الوحدة وهو ما دلت عليه: لا رجل في الدار بمرجوحية حينئذٍ لا بد من قرينة.
إذًا: لا رجلٌ في الدار لها احتمالان: احتمال راجح، واحتمال مرجوح .. وكلاهما مما يدل عليه اللفظ وضعًا، أما الاحتمال الراجح فهو العموم في النفي ويكون ظاهرًا، وأما الاحتمال المرجوح وهو الدلالة على الوحدة.
إذا أطلقت هكذا: لا رجلٌ في الدار حملت على الاحتمال الراجح، وإذا أريد الاحتمال المرجوح لا بد من قرينة.