فإن هذه الأفعال تدخل عليه، ويقدم عليها، ولا مانع، نحو إذا قلت: ظننتُ أيَّهم أفضلَ، أيَّهم ظننتُ أفضلَ: تقدم عليه ولا إشكال؛ لأنه لا يلتبس، بخلاف باب (كان) فإن اسمها لا يتقدم؛ لأنه مرفوع، وإذا تقدم حينئذٍ التبس بالمبتدأ، وحينئذٍ يمتنع، وأما هنا فحينئذٍ لما كان منصوبًا وهو مفعول به، فضلات من حيث الظاهر يجوز تقدمها على عواملها، حينئذٍ جاز أن يدخل ظَنَّ وَأَخَوَاتُهَا على اسم الاستفهام إذا كان مبتدأ، بخلاف (كان) فلا تدخل عليه لعدم تقدم اسمه عليها.
وأما الخبر فيجوز في البابين: أن يكون استفهامًا في باب (كَانَ وَأَخَوَاتُهَا) أو مضافًا إليه، إذ لا مانع من تقديمه في البابين: أين كنت؟ كنت أين؟ أين كنت؟ أين؛ نقول: هذا في محل نصب هو اسم استفهام، لماذا تقدم على (كان) ؟ نقول: لأنه خبر، وإذا كان خبرًا حينئذٍ له حق الصدارة، وأين ظننت عمرًا؟ ظننت عمرًا أين؛ هذا الأصل، فتقدم المفعول الثاني وهو الخبر في الأصل على (ظن) .
إذًا: إذا كان خبرًا -اسم الاستفهام أو المضاف إليه- إذا كان خبرًا في البابين باب (كان وظن) يجوز أن يتقدم على (كان وظن) .
وأما إذا كان مبتدأً يجوز في باب (ظن) ويمتنع في باب (كان) للعلة التي ذكرناها.
هذا الباب قلنا: يدخل على المبتدأ والخبر، فينصب المبتدأ على أنه مفعول أول، وينصب الثاني على أنه مفعول ثاني. وهل هي خاصة بالمبتدأ والخبر؟ جماهير النحاة على ذلك، وخالف السهيلي وقال: لا، ليس الأمر كذلك؛ لأنه يقال: ظننتُ زيدًا عمْرًا، وحينئذٍ لا يقال: عمروٌ زيدٌ، إذا كان أصل الجملة مبتدأ وخبر: ظننتُ زيدًا عمْرًا هل يقال: زيدٌ عمروٌ؟ ظننت زيدًا قائمًا ماذا نقول؟ زيد قائم، إذًا: دخلت على ما أصله المبتدأ والخبر، زيد قائم، ظننت زيد قائم لا إشكال فيه، لكن في بعض المُثُل قد يكون التقديم فيه نوع صعوبة، مثل: ظننت زيدًا عمْرًا، زيدٌ عمرو لا يصح إلا على معنى التشبيه قال: وهذه الأفعال لم تدخل على معنى التشبيه، زيد عمرو أي: زيد كعمروٍ صح التركيب، إذًا مبتدأ وخبر، هو ينفي أن تكون هذه الأفعال دخلت على معنى التشبيه، والجواب: أولًا نمنع دخول هذه الأفعال (ظن وأخواتها) على غير المبتدأ والخبر.
ثانيًا: نسلم بأن دخول (ظن) على زيدًا عمْرًا هنا على معنى التشبيه، ولذلك لو قال: ظننتُ زيدًا عمْرًا ثم أخطأ، الكلام صحيح أو لا؟ صحيح، فيبقى على الأصل، فحينئذٍ أصل التركيب: زيدٌ عمرو، زيدٌ كعمروٍ على معنى التشبيه وهو باق بعد دخول (ظن) فيجاب على ما ذكره السهيلي بهذا.
إذًا: الأصل في دخول هذه الأفعال أن تدخل على المبتدأ والخبر، هل تدخل على غيرهما؟ الجواب: لا، خلافًا للسهيلي.