حينئذٍ: إذا قلت: زيدًا ظننت قائمًا، قلنا: جاز الإعمال والإهمال والإعمال أرجح، الإعمال أرجح من الإهمال، إذا تأخر رتبة -متأخر-ضعف جاز إعماله استصحابًا للأصل، ولأنه في رائحة الفعل، إلا أنه لما تأخر ضعف ضعفًا شديدًا فصار الإهمال أولى من الإعمال، ولذلك لما تقدم هو متسلسل متدحدر، لما تقدم: ظننتُ زيدًا قائمًا وجب، ثم لما انتقل إلى الثاني: زيدًا ظننتُ قائمًا جاز -ألغي-، لكن الإعمال أرجح، لما جاء المرتبة الأخيرة حينئذٍ صار الإهمال أرجح، وهذا ليس في (ظنَّ) فحسب، حتى في الأفعال الصحيحة التامة، ولذلك: ضربت زيدًا، زيدًا مفعولًا به، وقوة العامل -من قواعد العوامل-؛ قوة العامل إنما تتوجه لطلب ما بعده، وتضعف في طلب شيء قبله، هذا الأصل في العامل: أن يعمل فيما بعده ولا يعمل فيما قبله، فإذا عمل فيما بعده حينئذٍ إذا تقدم هذا المعمول ضعف تسلط العامل عليه، وذلك جاز إذا تقدم المفعول على عامله ولو في ضرب أن يتصل به حرف زائد للتقوية، ولذلك ضربت زيدًا، زيدًا مفعول به، زيدًا ضربتُ، هل قوة العامل واحدة؟ قالوا: لا، ليست قوة العامل واحدة، العامل في الثاني زيدًا ضربتُ أضعف، مع كونه لو تأخر صار قويًا على الأصل، ما الدليل؟ الدليل تسويغ دخول اللام الزائدة المؤكدة على المفعول به إذا تقدم دون إذا ما تأخر، فتقول: زيدًا ضربتُ، يجوز لك أن تقول: لِزيدٍ ضربتُ؛ لأن الأفعال إنما تتعدى وتتقوى إلى المعمولات بحروف الجر، قلنا: حروف الجر سميت حروف جر لكونها تدور معاني الأفعال إلى الأسماء، فإذا كانت تالية لها لا إشكال، فلما نصب (ضربَ زيدًا) قوي ولا يحتاج إلى حرف، لما تقدم عليه ضعف، وحينئذٍ احتاج إلى مقوي، وقيل: لِزيدٍ ضربتُ -هذا قياس-، وأما ضربتُ لِزيدٍ هذا شاذ يحفظ ولا يقاس عليه: (( إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ) ) [يوسف:43] ، للرؤيا ما إعرابه؟ مفعول به، تعبرون الرؤيا، هذا الأصل مفعول به، لما تقدم احتاج إلى واسطة إلى مقوي إلى ما يعيد إليه قوته، فجيء باللام الزائدة مؤكدة، ولذلك تقول: لِزيدٍ ما تقول: جار ومجرور متعلق بضرب لا، تقول: اللام حرف جر زائد مقوي مؤكد، وزيدٍ مفعول به منصوب، ونصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وضربتُ فعل وافعل، إذًا: هو مفعول به، إذًا: زيدًا ظننتُ قائمًا نقول: هذا أرجح من الإهمال: زيدٌ ظننتُ قائمٌ لضعف العامل؛ لأنه ضعف، وزيدًا قائمًا ظننتُ نقول: الإهمال أرجح؛ لأنه ازداد ضعفًا لبعده عن معموليه.
وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ لاَ فِي الابْتِدَا: يعني: لا في حال الابتداء بالفعل، يعني: بل في حال توسطه أو تأخره.