(أن يتقدَّم) -لا بد من شرط التقدُّم- (يتقدم عاملان على معمول، كلٌّ منهما طالب له من جهة المعنى) ، فإذا قلت: قام وقعد زيد، (قام وقعد) عاملان، و (زيد) معمول، (قام) يطلب (زيد) على أنه فاعل له، يَطلبه من جهة المعنى؛ يُريد أن يتمِّم معناه، و (قعد) يطلب (زيد) على أنه معمول له، ولا يمكن أن يجتمعا على معمولٍ واحد، حينئذٍ وقع التجاذُب بين العاملين كلٌّ منهما يطلب (زيد) على أنه فاعل له.
(تقدم عاملان) وهذا شرط في باب التنازع، و (أن يتأخر معمول، كلٌّ من هذين العاملَين طالبٌ لهذا المعمول من جهة المعنى) ، فـ (قام) يطلب (زيد) على أنه فاعل له، و (قعد) يطلب (زيد) على أنه فاعل له، إذًا وقع التنازُع بين عاملَين على معمول واحد، ولا يمكن أن يكون (زيد) فاعلًا لهما معًا، هذا متعذِّر، بعيد؛ لماذا؟ لأنه -كما قررنا- أنه لا يجتمع عاملان على معمول واحد.
وعَرَّفه بعضٌهم: بأنه عبارة عن توجه عاملين ليس أحدهما مؤكِّدًا للآخَر.
إلى معمولٍ واحد متأخرٍ عنهما، مثل: ضربتُ وأكرمتُ زيدًا، هو كالسابق إلا أن السابق طَلبَ المعمول على أنه مرفوع، قام وقعد زيدٌ، ضربتُ وأكرمتُ زيدًا، (زيدًا) هذا معمول متأخر، تقدَّم عليه ضربتُ وأكرمتُ، كلٌّ منهما يَطلب مفعولًا به، وليس عندنا إلا لفظ واحد، (ضربتُ) تسلَّط عليه؛ يريده أنه مفعول له، و (أكرمتُ) يريده مفعولًا له، لا يمكن أن يجتمعان معًا، فيكون (زيدًا) معمولًا لهم، حينئذٍ نقول: هذا وقع فيه التنازُع.
(ليس أحدُهما مؤكِّدًا للآخَر) هذا احترازًا من الفعل المؤكِّد؛ لأنه في الحقيقة لا يطلب ما بعده على أنه فاعل له، مثل ما قِيل:
أَتَاَكَ أَتَاكِ اللاَّحِقُونَ
لو قيل: قام قام زيدٌ، (قام) الأول هذا فعل، وهو فعل تامٌّ يطلب فاعلًا، وبعده اسمٌ ظاهر (زيدٌ) ، (قام) الثانية هذا فعل، لكنه لا يطلب فاعلًا، حينئذٍ هل وقع تنازع؟ لم يحصل تنازُع؛ لأن الثاني لم يتوجه إلى (زيد) بطلبه فاعلًا له؛ لأن الفعل المؤكِّد خالٍ عن الفاعل؛ كما ذكرناه فيما سبق وأنه لا فاعل له، حينئذٍ (قام) الثانية هذه لم تتسلَّط على (زيد) ، لم تطلبه على أنه فاعلٌ له، ولذلك استُثنيَ فقيل: ليس أحدُهما مؤكِّدًا للآخَر.
وقال في التَّوضيح في بيان حقيقتِه: (أن يتقدَّم فعلان متصرِّفان، أو اسمان يشبهانِهما، أو فعلٌ واسمٌ يشبهه، ويتأخر عنهما معمول غيرُ سَبَبي مرفوع، وهو مطلوب لكل منهما من حيث المعنى) ، هذه شروط وقيود لا بد منها ستأتي معنا في أثناء الشرح.
إذًا حقيقة باب التنازع: أنه يتوجَّه عاملان إلى معمول واحد؛ بشرط أن يَتقدَّم المعمولان، وأن يتأخر المعمول، وهذا كشرح مُوجَز وإلا فالأصل أنه لا يشترط في الأولَّين أن يكون اثنين؛ بل قد يكون عاملان فأكثر، وكذلك المعمول قد يكون معمولًا واحدًا فأكثر، وإنما المراد تصوير المسألة فَحَسب.
أن يتقدم عاملان، فإن كان عاملًا واحدًا لم يقع تجاذُب، ولم يقع تنازُع، إذًا لا بد من اثنين فأكثر، يتقدَّمان على معمول واحدٍ فأكثر، فحينئذٍ كل واحدٍ من هذه العوامل يَطلب ذلك الاسم الظاهر على أنه معمولٌ له، ويُنازعه الثاني فيطلبه على أنه معمول له، حينئذٍ ماذا نصنع؟ هذا الذي سيأتي معَنا في هذا الباب.