أولا: بيئتنا رغم الاستعمار ظلت إلى حد ما بيئة أصيلة، يعني في بيوتنا، في المقاهي، في النوادي، نتكلم بالعربية، باللغة العربية يعني أو العامية المهذبة، يعني هناك تقاليد عربية إسلامية، ثم أدركنا -وهذه ربما من غرائب الأمور- أدركنا من دراستنا بالفرنساوية، النصوص الفرنساوية، أن الكرامة في الحرية، والحرية في الاستقلال، يعني هذه المفارقة يعني (Paradox) ، يعني المفارقة، كنا لما ندرس نصوص جهابذة المفكرين أو الشعراء أو الكتاب الفرنساويين والأوروبيين، ندرك أنهم كافحوا من أجل مقاومة الألمان في الحرب الأولى، أو في الحرب في 1870، بحيث كنا نتعلم الوطنية، وليس هذا هو قصد فرنسا من تعليمنا نحن.
أحمد منصور:
ما أنا أريد أصل إلى هذا، ما هو المقصد من أن فرنسا تحتضنكم وهي تحتلكم، وفي نفس الوقت أنتم تعلنون مقاومتها، ما هو البعد الذي نفهمه من هذا؟
محمد مزالي:
يعني فرنسا اضطرت أن تفتح المدارس لأبنائها طبعا، ولما فتحت مدارس لأبنائها، وعملا بمبادئها، لم تستطع منع التونسيين من دخول هذه المدارس، قترت عليهم التعليم، وضعت في طريقهم الصعوبات، ولكنها لم تستطع يعني حتى يدرك إخواني النظارة هذه الظاهرة، أقول: إن التونسيين منذ القرن التاسع عشر، ومنذ أوائل القرن العشرين كانوا مندفعين أي اندفاع نحو التعليم، سواء في الكتاتيب أو في جامعة الزيتونة أو في المدارس الأهلية، كنا نسميها مدارس قرآنية، وكذلك في المدارس (الفرنكو عربية) حتى أن الفرنساويين يعني الطواغي الطغاة والبغاة، يعني الفرنساويين كانوا يفهمون ويقولوا: نحن لم نفهم هذا الحماس المفرط للتونسيين نحو التعليم.
أحمد منصور:
لكن هم استغلوا هذا الأمر؟
محمد مزالي:
طبعا.
أحمد منصور:
في أنهم لم يمنعوكم من التعليم، وسعوا إلى أن تكون العقلية التونسية عقلية فرنسية، وهي تحمل الجنسية التونسية.
محمد مزالي: