فهرس الكتاب

الصفحة 2584 من 6253

شفيق الحوت: هذه هي المدينة التي شاءت أقداري أن أُولد بها، وفي حي المنشية بالذات الذي ذكرت، وهو شمالي المدينة، وأحد الأحياء الأولى التي بُنيت خارج أسوار يافا القديمة، وكان هذا الحي على تماس مع مستوطنة أو مستعمرة صغيرة في ذلك الحين تُسمى تل أبيب، فكانت كخط تماس بين المدينة الفلسطينية الأصيلة والمدينة المستحدثة القادمة مع المهاجرين اليهود من مختلف أنحاء أوروبا، فعندما كنت صبيًا ألعب على شاطئ البحر لم أكن أدرك أنني عندما كنت أتلفت جنوبًا وأرى منارة يافا وأسوار يافا وقلاع يافا، وأسواق يافا القديمة، وكل معْلم من معالمها له قصة يرويها ويتحدث عن عهد من عهود التاريخ فيها، وكنت أنظر فيما بعد شمالًا فأرى هذه المساكن الخشبية لليهود في مدينة تل أبيب، لم أكن أعرف أنني كنت أنظر بين مشهدين يفرق بينهما 4 آلاف سنة من التاريخ، وشاءت الأقدار أن تنمو تل أبيب، وأن تسقط يافا للمرة الخامسة في حياتها، حررها صلاح الدين، أولًا: دخلها المسلمون سنة 636 ميلادية على يد عمرو بن العاص، ثم حررها صلاح الدين، وحررها العادل.. الملك العادل، ثم حررها الظاهر بيبرس، والآن هي بانتظار من يحررها مرة أخرى في تاريخنا المقبل إن شاء الله.

هذه هي مدينة يافا، كما أذكرها وكأنني أفتح عيناي على الضوء لأول مرة، بيتنا أذكر منه كطفل، لا أذكر منه سوى شجرة تمر حنة، وبئر صغير، وثلاثة بيوت متواضعة، والوالد بقمبازه المشهور كلباس تقليدي يشبه الجلابية المصرية إلى حد ما، ولكن هو يشبه القمباز الشامي كما، وأذكر طبعًا الوالدة، وكانت طبعًا مثل مثيلاتها في تلك الأيام محجبة بالملاءة السوداء والمنديل الأسود على وجهها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت