وقال النووي: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة وتأوّلوا هذا الحديث تأويلين:
أحدهما: لا هجرة بعد الفتح من مكة ، لأنها صارت دار إسلام ، فلا تُتَصَوّر منها الهجرة .
والثاني: - وهو الأصح - أن معناه أن الهجرة الفاضلة المهمّة المطلوبة التي يمتاز بها أهلها امتيازا ظاهرا انقطعت بفتح مكة ، ومَضَتْ لأهلها الذين هاجروا قبل فتح مكة ، لأن الإسلام قوي وعَزّ بعد فتح مكة عزا ظاهرا ، بخلاف ما قبله . اهـ .
ويَعضد القول الثاني ما جاء في حديث مُجاشع بن مسعود رضي الله عنه ، وفيه: ذَهَبَ أهل الهجرة بما فيها .
2= قوله:"وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ"
وهذا موافِق لِقوله عليه الصلاة والسلام لمجاشع بن مسعود رضي الله عنه .
روى البخاري من حديث مجاشع رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وأخي ، فقلت: بَايِعْنَا على الهجرة . فقال: مَضَتِ الهجرة لأهلها . فقلت: عَلامَ تُبَايِعُنا ؟ قال: على الإسلام والجهاد . رواه البخاري .
قال النووي:"ولكن جهاد ونية"معناه أن تحصيل الخير بسبب الهجرة قد انقطع بفتح مكة ، ولكن حَصِّلُوه بالجهاد والنية الصالحة . وفى هذا الحثّ على نِيّة الخير مُطلقا ، وأنه يثاب على النِّيَّة .
3= قوله صلى الله عليه وسلم:"وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا"معناه: إذا طلبكم الإمام للخروج إلى الجهاد فاخرجوا . وهذا دليل على أن الجهاد ليس فرض عين ، بل فرض كفاية إذا فعله من تحصل بهم الكفاية سَقَطَ الْحَرَج عن الباقين ، وإن تركوه كلهم أثِمُوا كلهم . قال أصحابنا: الجهاد اليوم فرض كفاية ، إلا أن يَنْزِل الكفار بِبَلَد المسلمين ، فَيَتَعَيّن عليهم الجهاد ، فإن لم يكن في أهل ذلك البلد كفاية وَجَبَ على من يليهم تَتْمِيم الكفاية . قاله النووي .