ثم استقال بعد ذلك، ولزم بيته، وانقطع للعلم، وكان قد أسس قريبًا من قريته مدرسة عربية دينية سماها (مدرسة الإصلاح) ، فكان ينظر في شؤونها، ويجريها على أمثل طريق اخترعه، وأحسن أسلوب أبدعه. ومن أجل مقاصدها تحسين طريقة تعليم العربية، وإيجاز قائمة دروسها المتعبة العقيمة، وإلغاء العلوم البالية القديمة، والعكوف على طلب علوم القرآن، والبحث عن معانيه ونظمه وأحكامه وحكمه، وتدريس الحديث النبوي والفقه الإسلامي بعيدًا من التعصب المذهبي.
وكان رئيسًا للجنة المديرين لدار المصنفين التي أسست تذكارًا لأخيه الشيخ شبلي النعماني، فكان هو أحد مؤسسيها. وكان يبذل أوقات فراغه في التأليف، والتدوين، والنظر في القرآن ومعانيه، وإلقاء دروسه على تلامذته الملتفين حوله. فسمح خاطره المتدفق بما يخل به القدماء من علومه، وفرق على العفاة ما لم يجمعه الأوائل في صحفهم.
كان رحمه الله منقطعًا إلى هذا البر من العمل، حتى أتاه الأجل في التاسع عشر من جمادى الثانية سنة 1349هـ الحادي عشر من نوفمبر سنة 1930م.
مات غريبًا في مدينة (متهورا) كعبة الوثنيين في الهند. كان رحل إليها عليلًا يستشير طبيبًا نطاسيًا من أبناء بلدته موظفًا هناك، فلم ينفع الدواء، عندما حم القضاء. وأنهكته العلة التي ألمت به، ولم تنجح العملية التي أجراها الطبيب. فمات رحمه الله متأثرًا بعلته، غفر الله ذنبه، ورفع درجته، وأسكنه فسيح جناته، وجمعنا به في جنات النعيم.
مؤلفاته المطبوعة بغير العربية::
-أسباق النحو، جزءان بالأردية، وهو من أنفع الكتب لتعليم النحو والصرف بطريقة سهلة جديدة سهلة عجيبة، لغير الناطقين بالعربية كما ثبت ذلك بالتجربة.
-ديوانه الفارسي.
-وخردنامه، كتاب نظم فيه حكمة سيدنا سليمان عليه السلام بالفارسية القحة لا تشوبها كلمة عربية.
-مقالة في الشفاعة والمفارة باللغة الانجليزية، رد بها على بعض علماء النصارى.
مؤلفاته المطبوعة بالعربية::
-الرأي الصحيح في من هو الذبيح.
وقد طبع بدار القلم بدمشق 1420هـ وهو من أنفس ما كتب في قصة ذبح إسماعيل عليه السلام ومكانها، على كثرة ما كتب في هذا الباب ولعل باحثًا يتصدى لأبرز الأدلة التي عول عليها في كتابه هذا رحمه الله فيعرضها ويجليها.
-تفسير سور من القرآن، وهو جزء من أجزاء تفسيره نظام القرآن. وقد نشر منه الأجزاء التالية:
-إمعان في أقسام القرآن
وهو موضوع حلقة النقاش لهذا الشهر إن شاء الله وسيأتي الحديث عنه.
-أساليب القرآن.
وقد طبع بالدائرة الحميدية بمدرسة الإصلاح بأعظم كره الهند طبعته الثانية سنة 1411هـ. وهذا الكتاب يبحث في وجوه الأساليب في القرآن ومفاهيمها ومواقع استعمالاتها، وقد كان الفراهي وضع كتابًا آخر كتوطئة واستطراد لها الكتاب يعرف بمفردات القرآن وسيأتي. وذلك أن الطالب لا بد أن يعرف الألفاظ المفردة وبعد أن يفرغ منها يترقى إلى معرفة الجمل والتراكيب، فهنا يأتي دور (أساليب القرآن) لتسليط الضوء على الطرق الموجهة لفهم دلالة التراكيب المختلفة الوجوه التي تدل عليها الأساليب المختلفة.
ومن مزايا هذا الكتاب أن كل ما يحتوي عليه من آداب القرآن وأساليبه إنما يقوم على أساس متين ودعامة وثيقة من معرفة سنن العرب في كلامها.
-التكميل في أصول التأويل.
وهو كتاب أفرده لذكر أصول لتأويل القرآن إلى صحيح معناه. فموضوعه الكلمة والكلام من حيث دلالته على المعنى المراد. وغايته فهم الكلام وتأويله إلى المعنى المراد المخصوص، بحيث ينجلي عنه الاحتمالات. وهذا من جهة العموم؛ فإن قواعد التأويل تجري في كل كلام، ونفعها عام يتعلق بفهم معنى الكلام من أي لسان كان، ولكن النفع الأعظم منه في فهم كتاب الله ومعرفة محاسنه للاعتصام به.
ولعل باحثًا يقرأ هذا الكتاب، فيبين لنا منهج الفراهي فيه بيانًا شافيا، ويظهر لنا الأفكار الجديدة التي طرحها إن وجدت، فالفراهي عالم عجيب قل أن يكرر في كتبه ما قاله الآخرون دون الوقوف عندها وقفات في غاية الحسن والنفع.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)