-وقسم آخر جازع تلحقه مصيبتان (مصيبة الخسارة ومصيبة الحرمان) .
أما الصابرون على ما آلمهم في قلوبهم وأبدانهم؛ فهم يقولون: (إنا لله) مملوكون مدبرون تحت أمره وتصرفه وتصريفه، فليس لنا شيء إن ابتلانا فقد تصرف أرحم الراحمين بمماليكه وأموالهم فلا اعتراض عليه (وإنا إليه راجعون) يوم المعاد لنرى بأم أعيننا ماتقر به أعيننا من النوال والثواب والنعيم.
وهذا الاسترجاع نعمة خصنا الله بها في كتابه الكريم، فقد في المسند من حديثالحسين بن علي، عن النبي r قال: «ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها، فيحدث لذلك استرجاعا، إلا جدد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب ( http://english.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?idfrom=151&idto=151&bk_no=49&ID=155#docu#docu) » .
أمتي هذه أمة مرحومة
هذه الدار الفانية طبعت على هكذا أقدار، وجبلت على هكذا مصائب، وعرفت بهكذا بلايا ورزايا. ومن يعش فيها يعش في نصب ووصب وتعب، ونكد وكبد وكدر، وشدة وعسر ولأواء، ولن يسلم منها أحد
المرء بين مصائب لاتنتهي ... حتى يوارى جسمه في رمسه
فمؤجل يلقى الردى في أهله ... ومعجل يلقى الردى في أهله
وهذه المصائب والمتاعب ما هي إلا رسل تنبيه لنا من الله تعالى؛ أن هذه الدار ليست لنا بدار مقر ولا إقامة، فطول بقاء المرء في الدنيا لايزيده منها إلا تعبا وعناء وحزنا ورهقا. أخرج أبو داود والطبراني والحاكم والبيهقي وصححه الألباني حديث أبي موسى رضي الله عنه قال r: « أمتي هذه أمةمرحومةليس عليها عذاب في الآخرةإنماعذابهافي الدنياالفتن و الزلازل و القتل و البلايا» ، فسبحان من جعلها رحمة لنا -أمة محمد- وعذابا لغيرنا. أيها المكلومون تأملوا قول الحق جل ذكره وأديموا تذكر هذه الآية: (فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) .
لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم
مجرد الابتلاء ليس شرا؛ إنما الشر أن نسقط في الابتلاء، وقمة الابتلاء في حدود إدراكنا هو فقد الحياة. وهذه البلية العظيمة جاءت لنا حال وقوعها بمنح عظيمة وستأتي لنا ببقية المنح مع قادم الأيام أدركنا ذلك أم لم ندركه. فهذه الكارثة أشبهها بالمسرحية - تشبيها مع الفارق- لم ندرك من منها سوى المشهد الأول من فصلها الأول. ولا شك بأن ما حدث تقشعر لهوله الأبدان ولكن:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
وإذا كان يستبعد من العاقل أن يتسبب بفعله في فساد حاله وماله ومآله، فما بالنا بالله الحكيم الخبير فكل تصرف له في ملكه ومماليكه فيه من الخير والحكمة والصلاح مالايفقهه كثير من الناس (فالخير بيديه والشر ليس إليه) ولو بدا قدره خلاف ذلك - بادي الرأي -
لا تكره المكروه عند نزوله ... إن العواقب لم تزل متباينة
كم نعمة لا تستقل بشكرها ... لله في طي المكاره كامنة
-وهذه بعضا من النعم والمنح التي جاءت في طيات هذه المحنة:
-أولها: منحة ربانية فقد اتخذ الله عز وجل ممن أصابتهم هذه البلوى شهداء (ويتخذ منكم شهداء) فبقدر ما نحن حزنين لفراقهم وبعدهم عنا، ومتألمين لما كابدوه، بقدر ماهم فرحين بما آتاهم الله ومستبشرين بما قوبلوا به عند ربهم.
-وثانيها: ساعات الوجع والألم يذهبن ساعات الخطايا. فقد نال إخواننا وأخواتنا المبتلون بهذا البلاء العظيم منحة ربانية أخرى وهي محبة الله لهم، وعظم ثوابهم. أخرج الترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه مرفوعا: «إن عظم الجزاء عند الله مع عظم البلاء، فإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» .
-وثالث هذه المنح الربانية؛ إرادة الله الخير بهم ولهم فقد جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «من يرد الله به خيرا يصب منه» .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)