مَّعْلُوْم لَدَى كُل الْعُقَلَاء أَنَّه إِذَا أَرَاد أَن يَصِل إِلَى غَايَة وَكَانَت الْطَّرِيْق مُهْلِكَة فِيْهَا وُحُوْش وَفِيْهَا قِطَاع طُرُق، أَنَّه لَا يَسْلُك هَذَا الْطَّرِيْق إِلَا بِحِرَاسَة، أَو عَلَيْه أَن يَسْلُك طَرِيْقا آَمِنًا حَتَّى يَصِل إِلَى غَايَتِه، حَب الْدُّنْيَا رَأْس كُل خَطِيَّة فَالَدُّنْيَا مَزْرَعَة الْآَخِرَة فَمَن اسْتَثَمْرَهَا اسْتِثْمَارا حَقِيْقِيًا كَانَت رَأْس مَال جَيِّد لَكِن حُب الْدُّنْيَا رَأْس كُل خَطِيَّة، وَهَذَا بَعْض الْنَّاس يَرْوِيْه حَدِيْثًا عَن رَسُوْل الْلَّه- صَلَّى الْلَّه عَلَيْه وَسَلَّم-، وَهَذَا لَا يَصِح عَنْه إِنَّمَا نَحْن نَقُوْلُه قَوْلَا (حَب الْدُّنْيَا رَأْس كُل خَطِيَّة) < o:p>
مُعَالَجَة الْنَّبِي_صَلَّي الْلَّه عَلَيْه وَسَلَّم لِطَّرِيْق الْدُّنْيَا الْمُوَحِّش.< o:p>
أَنْت لَابُد وَأَنْت بْن الْدُّنْيَا رَضِعَت مِن لِبَانِهَا وَلَم تُفْطَم بَعْد، الْمَوْلُوْد عِنْدَمَا يُوْلَد يُفْطَم بَعْد عَامَيْن، أَمَّا نَحْن فَلَا نُفَطَم عَن الْدُّنْيَا حَتَّى نَمُوْت إِلَا إِذَا كُنَّا مِن أَهْل الْيَقَظَة، طَرِيْق الْدُّنْيَا مُوَحِّش، عَالَجَه الْنَّبِي- صَلَّى الْلَّه عَلَيْه وَسَلَّم- فِي حَدِيْث مَشْهُوْر رَوَاه الْإِمَام الْبُخَارِي فِي صَحِيْحِه مِن حَدِيْث بْن عُمَر -رَضِي الْلَّه عَنْهُمَا قَال- صَلَّى الْلَّه عَلَيْه وَسَلَّم-:"كُن فِي الْدُّنْيَا كأنكَ غَرِيْبٌ أَو عَابِرُ سَبِيِل".< o:p>
( أَو) فِي هَذَا الْحَدِيْث لَيْسَت لِلْتَّخْيِيْر, كَمَا لَو قُلْت لَك خُذ هَذَا أَو ذَاك فَأَنْت مُخَيَّر أَن تَأْخُذ هَذَا أَو هَذَا, بَل لَمَّا يُسَمِّيْه عُلَمَاء الْبَيَان لِلْإِضْرَاب.< o:p>
مَا مَعْنَى (أَو) لِلْإِضْرَاب؟ < o:p>
إِذَا جَاءَت (أَو) بِمَعْنَى الْإِضْرَاب فَتَكُوْن بِمَعْنَى بَل،وَسُمِّي إِضْرَابَا لِأَنَّك أَضْرَبْت عَن الْكَلَام الَّذِي قَبْلَهَا وَأَثْبَت الْكَلَام الَّذِي بَعْدَهَا، وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَي:? وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ? (النحل:77) .< o:p>
( أو) هنا بمعنى بل، ? وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ? كَأَنَّه قَال: لَا، لَا، أَضْرِب عَن هَذَا الْكَلَام، أُتْرُكَه بَل هُو أَقْرَب مِن لَمْح الْبَصَر، فَنَكُوْن أَثْبَتْنَا مَا بَعْد أَو، وَتَرَكْنَا مَا قَبْلَهَا، وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى أَيْضا? وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ? (الصافات:147) ، أَي بَل يَزِيْدُوْن فَهُنَا فِي هَذَا الْحَدِيْث:"كُن فِي الْدُّنْيَا كأنكَ غَرِيْبٌ أَو عَابِرُ سَبِيِل"< o:p>
وَجْه الْدَّلَالَة: كَأَنَّمَا قَال لَه: لَا، لَا لَا تَكُن غَرِيْبا، رَجَعَت عَن هَذَا الْكَلَام بَل كُن عَابِر سَبِيِل حَتَّى تَنْجُو مِنْهَا, لِأَن الْغَرِيْب قَد يَأْنَس فِي دَار الْغُرْبَة وَأَنْتُم جَمِيْعا غُرَبَاء،لَيْس هَذَا هُو مَوْطِنُكُم الْأَصْلِي، وَمَع ذَلِك أَنِسْتُم، وَجَدْتُم أَصْدِقَاء جُدُدا وَجِيْرَانًا وَأَحْبَابًّا أَنْسَوْكُم أَحْبَابَكُم فِي بِلَادِكُم الْأَصْلِيَّة،تَعِيْشُوْن فِي أُنْس وَسَلَام وَوَدَاع، بَل قَد يَكُوْن بَعْضُكُم أَسْعَد حَالًا هُنَا فِي دِيَار الْغُرْبَة مِن حَالِه فِي بِلَادِه الْأَصْلِيَّة.< o:p>
الْأُنْس فِي الْدُّنْيَا وَمَضَارِّه عَلَي الْإِنْسَان وَالْمَخْرَج مِن ذَلِك.< o:p>
وَالْأِنْس فِي الْدُّنْيَا مَمْنُوْع لِأَنَّك إِذَا أَنِسَت رَكَنَت، وَإِذَا رَكَنَت هَلَكْت < o:p>
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)