ففي الصحيحين من حديث الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسّيْفِ غَيْرُ مُصْفِحٍ عَنْهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه على آله وسلم فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ فَوَ الله لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَالله أَغْيَرُ مِنّي، مِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ الله حَرّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلاَ شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ الله، وَلاَ شَخْصَ أَحَبّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ الله، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثُ الله الْمُرْسَلِينَ مُبَشّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَلاَ شَخْصَ أَحَبّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ الله، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ الله الْجَنّةَ.
قال ابن القيم رحمه الله: فَجَمَعَ هذا الحديثُ بين الغيرةِ التي أصلُها كراهةُ القبائح وبُغضُها، وبين محبةِ العُذرِ الذي يوجبُ كمالَ العدلِ والرحمةِ والإحسانِ …
فالغيورُ قد وافقَ ربَّهُ سبحانه في صفةٍ من صِفاتِه، ومَنْ وافقَ الله في صفه من صفاتِه قادته تلك الصفة إليه بزمامه وأدخلته على ربِّه، وأدنته منه وقربته من رحمته، وصيّرته محبوبًا له. انتهى.
إذًا فالغيرةُ صفةٌ من صفات الرب جل وعلا، وصفاته صفاتُ كمالٍ ومدح.
والغَيْرةُ لا يتّصفُ بها سوى أفذاذ الرّجال الذين قاموا بحقِّ القَوامَة.
المرأة إذا علِمت من زوجها أو وليّها الغيرة عليها راعت ذلك وجعلته في حُسبانها
هذه أسماءُ بنت أبي بكر تقول: تَزَوّجَني الزّبَير وما له في الأرضِ مِنْ مالٍ ولا مَمْلوكٍ ولا شيءٍ غيرِ ناضحٍ وغير فَرَسِهِ، فكنتُ أعلِفُ فرسَهُ وأستقي الماءَ وأخرِزُ غَربَهُ وأعجِن، ولم أكن أُحسِنُ أخبزُ، وكان يَخبزُ جاراتٌ لي من الأنصار، وكن نِسوَةَ صِدق، وكنتُ أنقل النّوَى من أرض الزّبير التي أقطَعَهُ رسولُ صلى الله عليه وسلم على رأسي، وهي مِنِّي على ثُلثَي فَرسَخ، فجِئتُ يومًا والنّوَى على رأسي، فلقيتُ رسولَ صلى الله عليه وسلم ومعهُ نَفَرٌ من الأنصار، فدَعاني ثم قال: إخْ إخ، ليحمِلَني خَلفَه، فاستحيَيتُ أن أسيرَ معَ الرّجال، وذكرتُ الزّبيرَ وغَيرَتَه، وكان أغيَرَ الناس، فَعَرَفَ رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم أني قد استحييتُ فمضى، فجئتُ الزّبيرَ فقلتُ: لَقيَني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسي النّوَى، ومعهُ نفرٌ من أصحابه، فأناخَ لأركبَ، فاستَحييتُ منه، وعرَفتُ غَيرتَك، فقال: والله لَحملُكِ النّوى كان أشدّ عليّ من ركوبِك معَه. قالت: حتى أرسلَ إليّ أبو بكرٍ بعدَ ذلك بخادمٍ تَكفيني سِياسةَ الفَرَس، فكأنما أعتَقَني. متفق عليه.
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كان فتى منّا حديثُ عهد بعُرس قال: فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذنُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار فيرجعُ إلى أهله، فاستأذنه يومًا، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: خذ عليك سلاحك، فإني أخشى عليك قريظة. فأخذ الرجلُ سلاحَه، ثم رجع، فإذا امرأتُهُ بين البابين قائمةً، فأهوى إليها الرُّمحَ ليطعنها به، وأصابته غَيْرَةٌ، فقالت له: اكفف عليك رُمْحَكَ، وادخل البيتَ حتى تنظرَ ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بِحَيّةٍ عظيمةٍ منطويةٍ على الفراش فأهوى إليها بالرمح فانتظمَها به، ثم خرج فركزَه في الدار، فاضطربَتْ عليه، فما يُدرى أيهما كان أسرعَ موتًا. الحيّةَ أم الفتى؟. الحديث.
وبالمقابل فإن المرأة إذا عرفتْ أن وليَّها لا يهتمُّ بها، ولا يرفعُ بالغيرة رأسًا سَهُل عليها التماديَ في الباطل، والوقوعَ في وحلِ الخطيئة، ومستنقعات الرذيلة.
والغيرةُ غيرتان:
فغيرةٌ يُحِبُّها الله، وغيرةٌ يُبغضها الله.
فعن جابر بن عتيك أن نبيَّ الله صلى الله عليه على آله وسلم كانَ يَقُولُ: مِنَ الغَيْرَةِ مَا يُحِبّ الله، ومِنْهَا مَا يُبْغِضُ الله، فَأَمّا الّتِي يُحِبّهَا الله عَزّ وَ جَلّ فَالغَيْرَةُ في الرّيبَةِ، وَأَمّا الّتِي يَبْغَضُهَا الله فالْغَيْرَةُ في غَيْرِ رِيبَةٍ. رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وهو حديث صحيح.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)