فيشكل على الناظر في أجوبة الشيخ نفيه الكفر عن التارك إلا في هاتين الحالتين، ثم حكمه بالكفر في مواطن على أصناف أخرى من التاركين،
فكلام شيخ الإسلام السابق يعتبر جوابا على هذا الإشكال، تارة بحمل هذا على نوع، والآخر على نوع، وتارة بحمل هذا على المعين والآخر على النوع والله أعلم.
وفي الخاتمة فكل ما تقدم عن شيخ الإسلام في هذه المسألة قد تبين للقارئ أنه يمثل مذهب الشيخ، فما من جزئية إلا وهي منقولة عن الشيخ بلفظه وبعدة عبارات عنه، لا بعبارة واحدة، وهي عبارات واضحة لا يكتنفها غموض، فكل ما تظافر فيه القول عنه يعتبر هو القول المحكم في حكاية مذهبه رحمه الله.
فلا ينبغي بعد هذا أن يأتي أحد لعبارة محتملة ويحاول أن يشوش من خلالها على أقوال الشيخ الأخرى المحكمة.
وعلى سبيل المثال فقد جاءت فتوى عن الشيخ في مجموع الفتاوى (24/ 288) وفيها:
"وسئل عن رجل يصلي وقتا ويترك الصلاة كثيرا، أو لا يصلي هل يصلى عليه؟"
فأجاب:
مثل هذا مازال المسلمون يصلون عليه، بل المنافقون الذين يكتمون النفاق يصلي المسلمون عليهم، ويغسلون وتجري عليهم أحكام الإسلام، كما كان المنافقون على عهد الرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان من علم نفاق شخص لم يجز له أن يصلي عليه، كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على من علم نفاقه.
إلى أن قال:
وتارك الصلاة أحيانا وأمثاله من المتظاهرين بالفسق، فأهل العلم والدين إذا كان في هجر هذا وترك الصلاة عليه منفعة للمسلمين، بحيث يكون ذلك باعثا لهم على المحافظة على الصلاة عليه، هجروه ولم يصلو عليه، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على قاتل نفسه، والغال والمدين الذي لا وفاء له، وهذا شر منهم"ا. هـ"
فقد يقول قائل: ها هو الشيخ قد سئل عن رجل لا يصلي، وأفتى بالصلاة عليه فهذا دليل على أنه مسلم عنده، وعليه فشيخ الإسلام لا يكفر التارك.
فهذا نجيبه على النحو الذي ذكرنا.
فيقال له:
أولا هذه الفتوى محتملة، لأن الشيخ لم يذكر في جوابه أن الذي لا يصلي يصلى عليه، وإنما ذكر تارك الصلاة أحيانا فقط، أي أعاد شيخ الإسلام في جوابه الصنف الأول وهو الذي يصلي ويترك.
أما الذي لا يصلي، فلم يرد ذكره في الجواب مطلقا وإنما جاء في السؤال مقرونا بالآخر الذي يصلي وقتا ويترك كثيرا، فأجاب الشيخ عن الذي يصلي أحيانا ونص عليه فقط، ولم ينص على الآخر في الجواب.
فلعل الشيخ فهم أنهما صنف واحد، وأن قول السائل"لا يصلي"أي أوقاتا أخرى لا كل الأوقات، أو فهم من السائل أن المراد شخص معين، والظاهر أنه لا يصلي، فاحتمل الشيخ أن المسؤول عنه قد يكون صلى صلوات لم يعلمها السائل باعتبار أنه أخبر بالظاهر.
لأن الكلام والسؤال ظاهره عن المعين فتجنب الشيخ أن ينزل حكم النوع عليه بناء على ما سبق عنه.
المهم أن هذا الكلام المحتمل والمشتبه لا يقدم على ذلك الواضح المحكم والله أعلم.
وبعد كتابة ما تقدم حضرني معنى لست أشك بأنه هو الأرحج، فشيخ الإسلام لا يرى كما تقدم الحكم على أحد من الناس بأنه تارك في الحقيقة إلا بعد الدعاء والامتناع، وبالتالي فحكم الكفر الظاهر لا يحكم به على أحد ممن يظهر أنه تارك إلا بعد الدعاء والامتناع، ولأجل هذا تناول الثاني أيضا بالجواب نفسه عن الأول من هذا الباب، من أنه لا يحكم عليه بحكم التارك حتى يدعى إلى الصلاة ويمتنع مصداقا لتنبيهه السابق في التفريق بين النوع والعين والله أعلم.
وهذا آخر المقصود من هذا المبحث، ولقد أردت من خلاله بيان موقف شيخ الإسلام الإمام الفذ من هذه المسألة العظيمة والمهمة، بعد أن طرق سمعي وقرأت عيناي من ينسب لشيخ الإسلام أقوالا غريبة في هذه المسألة.
فتارة أقف على من ينسب له أقوالا لم يقل بها وإنما قال بخلافها.
وتارة أقف على من يقتصر على بعض قوله، ويعتبر ذلك هو مذهبه العام
في المسألة.
وتارة أقف على من يخالف شيخ الإسلام في المسألة لكنه لا يذكر ذلك عن الشيخ، وإنما إذا ذكره ذكر عنه بعض الأقوال في جزئيات يتفق فيها معه ويتجاهل بقية كلام الشيخ.
فأردت لأجل هذا بيان الموقف الصحيح لشيخ الإسلام عبر مقالاته وألفاظه، فإن أصبت في ذلك فمن الله وحده وله عظيم الحمد والمنة، وإن أخطأت في شيء فمن نفسي ومن الشيطان ولله الحمد على كل حال.
هذا وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)