العلماء مازالوا محافظين في كتبهم على وضع الحركات الدالة على الشكل، وجاراهم نفر من النساخين الذين اتخذوا الأمانة رائدًا لهم في أعمالهم، وتوخوا تسليمها للخلف كما وصلت إليهم.
أما السواد الأعظم من العلماء والنساخين فقد أهملوا هذا الشكل، بل تراخوا في وضع النقط، نقط الإعجام ذاتها. فكان ذلك الإهمال المزدوج مثارًا للإبهام والالتباس بين الناس، على ما هو مشهور عند العارفين، من طلبة العلم والباحثين.
حتى لقد تطرق الخلل إلى كثير من نفس الألفاظ والمسميات، فأصبحت الكلمة الواحدة فيها قولان فأكثر، من جهة وضع النقط على حروفها، وقولان فأكثر من طريق التلفظ بحركاتها وسكناتها.
فلما ظهرت الطباعة العربية، زادت الحال إشكالا وتعقيدًا. وهكذا معظم الكتب بين أيدينا، نرى الصحائف فيها مسودة مطموسة بالكتابة من أولها إلى أخرها، بلا فاصل بينها يستريح عنده النظر أو اللسان. وهو أمر طالما أحس الناس بمضاره المتعددة، وحال دون التيسير في الفهم أو الوصول إلى المطالب المقصودة. وأشد ما يظهر هذا النقص في معاجم اللغة (قواميسها) ، وفي كتب الأدب، وفي أسفار التاريخ، ونحوها. بحيث إن الباحث يضيع عليه كثير من وقته، إلى أن يظفر بضالته؛ بل قد يمر بنظره على موضع الحاجة، ولكنه قد لا يقف عليه، أو لا يكاد يهتدي إليه، إلا من كان له صبر وممارسة، وهم القليل من القائمين بشئون التعليم، والمتوفرين على البحث والتنقيب.