وأول من اهتدى لذلك رجل من علماء النحو، من روم القسطنطينية، اسمه أرسطوفان، من أهل القرن الثاني قبل الميلاد. وكان شأنه في هذا السبيل شأن كل من يتنبه لأمر من الأمور في مبدئه. ثم توفرت أمم الإفرنج من بعده على تحسين هذا الاصطلاح وإتقانه إلى الغاية التي وصلوا إليها في عهدنا الحاضر، مما يكاد يكون نهاية الكمال في هذا الباب.
فلقد أصبح الطفل، إذا قرأ في أحد الكتب الإفرنجية، لا يتلعثم ولا يتردد في التلاوة؛ بل يكون مماثلا للشيخ العالم، سواء بسواء. وإنما يقاس الاختلاف بين المبتدئ والمنتهي بدرجة المحصول من العلم الذي يبنى عليه مقدار الفهم. والفضل في ذلك راجح إلى تلك العلامات التي تواضعوا عليها، لتسهيل القراءة على كل إنسان توصل إلى بسيط المعرفة بأشكال الحروف وتركيبها، بعضها مع بعض، وإلى طريقة النطق بالكلمات التي تتألف منها.
أما القارئ باللسان العربي فلا يزال مضطرًا، رغم أنفه، إلى التعثر والتسكع على الدوام، وإلى مراجعة نفسه بنفسه، إن كان قد أوتي شيئًا من العرفان. وعلى كل حالٍ، نرى أنه مهما بلغت درجته من العلم، لا يتسنى له في أكثر الأحيان أن يتعرف مواقع فصل الجمل وتقسيم العبارات، أو الوقوف على المواضع التي يجب السكوت عندها. فهو يصل في الغالب رأس الجملة اللاحقة بذيل الجملة السابقة، ونحو ذلك مما يشهد به الحس ويؤيده العيان.