فكانت النتيجة عندنا إخلال القارئين -ولو كانوا في طليعة المتعلمين- بتلاوة عبارة، قد تكون سهلة في ذاتها [1] ؛ بل كثيرًا ما تراهم عاجزين عن إعطاء الكلام، حقه من النبرات التي يقتضيها كل مقام؛ بل إننا لو اختبرنا طفلا عربيًا لوجدناه يحسن القراءة بلغة أجنبية، أكثر مما يتوصل إليه، مع الكد والجد، فيما يحاوله من قراءة العبارات المكتوبة بلغة أمه وأبيه.
(1) ـ مثال ذلك:
أولا - البيت المشهور الذي يحفظه على وجهه الصحيح كل من له أدنى حظ من علوم البلاغة وهو:
ولا يقيم على ضيم يراد به ? إلا الأذلان عير الحي والوتد
فقد رواه صاحب الجوانب العلامة أحمد فارس (وهو هو) على الوجه الآتي:
ولا يقيم على ضرير أدبه ? إلا الأذلان عير الحي والوتد
ثانيًا - عند ما تكلم صاحب المغني على لفظة (( أجل ) )بمعنى نعم، قال: (( إنها تصديق للخبر ووعد للطلب ) )، ثم قال: (( وقيد المالقي الخبر الخ ) ). فجاء الإمام ملا علي القاري في شرحه للمغني وضبط العبارة الثانية هكذا: (( وقيدًا لما لقي الخبر ) ).
ثالًثا - للفرزدق بيت معروف وهو:
وكل رفيقي كل رحل وإن هما ? تعاطى القنا قوما هما أخوان
فجاء الإمام ابن هشام وروى الشطرة الثانية في المغني بهذه الكيفية وهي:
تعاطى القنا قومًا هما أخوان
فلو لاحظنا علامات الترقيم في هذا البيت لما وقع هذا الخطأ الجسيم أقل صبيان المكاتب فضلا عن مثل الإمام الذي هو حجة النحاة.
وها نحن نكتبه على الطريقة المذكورة ليظهر الفرق.
وكل رفيقي كل رحل، وإن هما ? تعاطى القنا قوماهما، أخوان
ومعناه: أن كل رجلين يترافقان في أية دار كانت فهما أخوان، ولو أن قوميهما يتعاطيان القنا ويشتجران في الخصام.
والشواهد على هذا الباب أكثر من أن تحصى. وفي الذي اقتصرنا على ذكره كفاية.