فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 238

على خصائص الألوهية حيث أنهم حلّلوا ما حرّمه الله، وحرموا ما أحله الله.

و «كانت العرب ورثت عن ملة إبراهيم وإسماعيل تحريم القتال في الأشهر الحرم لتأمين الحج وطرقه كما ورثوا مناسك الحج، ولمّا طال عليهم الأمد غيّروا وبدّلوا في المناسك، وفي تحريم الأشهر الحرم، ولا سيّما شهر المحرّم منها فإنه كان يشقّ عليهم ترك القتال وشنّ الغارات ثلاثة أشهر متوالية، فأول ما بدّلوا في ذلك إحلال الشهر المحرّم بالتأويل، وهو أن ينسئوا تحريمه إلى صفر لتبقى الأشهر الحرم أربعة كما كانت، وفي ذلك مخالفة للنص ولحكمة التحريم معا، وكان لهم في ذلك نظام متبع بأن يقوم رجل من كنانة يسمى «القلمس» في أيام «منى» حيث يجتمع الحجيج العام فيقول: أنا الذي لا أحاب، ولا أعاب، ولا يردّ قولي، وفي رواية أنّه يقول: أنا الذي لا يردّ لي قضاء، فيقولون:

صدقت فأخر عنّا حرمة المحرم واجعلها في صفر فيحلّ لهم المحرم، وبذلك يجعل الشهر الحرام حلالا، ثم صاروا ينسئون غير المحرّم ويسمون النسيء باسم الأصل فتتغير أسماء الشهور كلها، وأما قتالهم نفسه فقد كان كلّه حراما وبغيا وعدوانا وثأرا» [1] .

كانت هذه حال المشركين في الجاهلية، «فجاءت النصوص تبطل النسيء، وتبيّن مخالفته ابتداء لدين الله الذي يجعل التحليل والتحريم (والتشريع كله) حقا خالصا لله، وتجعل مزاولته من البشر بغير ما أذن الله كفرا، بل زيادة في الكفر وفي الوقت ذاته تقرّر أصلا من أصول العقيدة الأساسية وهو قصر حقّ التشريع في الحلّ والحرمة على الله وحده، وتربط هذه الحقيقة بالحق الأصيل في بناء الكون كله، يوم خلق الله السماوات والأرض، فتشريعه للناس إنما هو فرع عن تشريعه للكون كلّه بما فيه هؤلاء الناس، والحيدة عنه مخالفة لأصل تكوين هذا الكون وبنائه، فهو زيادة في الكفر يضلّ به الذين كفروا» [2] .

(1) محمد رشيد رضا تفسير المنار ج 10ص 417.

(2) سيد قطب في ظلال القرآن ج 3ص 1651.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت