فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 238

فظلم الأنفس الذي تتحدث عنه الآية هو ترك الواجبات والاعتداء على حق الله في الحاكمية، وفي التحليل والتحريم، أما العدل الذي قابل هذا الظلم فهو في حكمة الله وتدبيره للكون، وجعله للسنن الكونية الذي يعرف بها البشر سبل معاشهم، وجعله للأشهر الحرم التي تخصّص للعبادة، ويمنع فيها القتال، وتصفّى فيها القلوب بين الناس، وتتوجه بالعبادة الخالصة إلى إله الكون وحده، وهذا هو مقتضى العدل الإلهي الذي نازع فيه البشر مشيئة الله وقدرته فحلّلوا ما حرّمه، وحرّموا ما أحلّه، فظلموا أنفسهم وظلموا الله بمنازعته في خصائصه ومقوماته.

د المقابلة بين الاجتماع والفرقة:

الاجتماع والجمع ضمّ الشيء بتقريب بعضه من بعض [1] وهو ضد الفرقة، والاجتماع في مفهومه العام هو نوع من الولاء إلى الجماعة الواحدة تقتضيه الفطرة والشرع لإشباع غريزة الألفة، وتحقيق حاجات النفس إلى التجمع والتعاون [2] ، وهو المقصود في قوله تعالى: {يََا أَيُّهَا النََّاسُ إِنََّا خَلَقْنََاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى ََ وَجَعَلْنََاكُمْ شُعُوبًا وَقَبََائِلَ لِتَعََارَفُوا} [الحجرات: 13] .

فالتعارف هو من الاجتماع الذي يدعو إلى التماسك والارتباط ضمن مجتمع واحد، وضمن قبيلة واحدة، أما الفرقة فتعني الاختلاف والافتراق وحلّ الروابط الجماعية داخل الجماعة الواحدة أو المجتمع الواحد، وهو الذي حذّرت منه الرسالات السماوية ودعت إلى نبذه واحتقاره.

وهذه الثنائية هي من الثنائيات الهامة التي اهتم بها القرآن الكريم في آياته وسوره لارتباطها المباشر بحياة الناس وواقعهم، ولعلاقتها الوطيدة بالقيم الاجتماعية والسياسية التي تربط الإنسان بمجتمعه.

(1) الفيروزآبادي بصائر ذوي التمييز ج 2ص 390.

(2) زكريا المصري وحدة الأمة الإسلامية على أسس صحيحة وواقعية ط 1مؤسسة الرسالة سنة 1992ص 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت