فهرس الكتاب
ولقد دعا القرآن الكريم إلى الاجتماع والوحدة لأنهما من طبيعته، وهما ركناها اللذان تقوم عليهما دعوته الدينية العامة الموجهة إلى الناس أجمعين، ولقد استجاب لها المسلمون في أول عهدهم فأكسبتهم قوة وعزّة وغلبة عزّت بها الدعوة الدينية فانتشرت وانتصرت وصدّت من عارضها، فتفتحت أمامها الطرق، واتسع لها الأفق، وعمت بلاد من كان يعارضها ويدفعها ويقف في طريقها بما كان له من قوة ومال وجاه ورجال [1] .
ولكن هذا الاجتماع قد وضع له الشرع أسسا تفضي به إلى أن يكون عنصر خير للبشر يحميهم من عدوهم الأول وهو الشيطان الرجيم ويحول دون استغلال الشيطان وعملائه من البشر لما جبل عليه الإنسان من الشهوات المختلفة: شهوة الجاه أو المال أو الجنس أو اتباع الهوى أو التقليد فيرسم له الطريق الصحيح الذي يوصله إلى دار السلام في الدنيا والآخرة.
«فوضع الله لهذا التجمع أساسا متينا وهو التقوى لله تعالى والإيمان به، والإيمان عمل القلب، والتقوى عمل الجوارح، فإذا تلقى القلب عن الله وعملت الجوارح بما تلقاه القلب فإنّ ذلك سوف يؤدي بالإنسان إلى أن يكون عنصرا صالحا في التجمع البشري، وأن يكون المجتمع المتلقّي عن الله مجتمعا مثاليا لأن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي» [2] .
فقضية الاجتماع كغيرها من القضايا التي تناولناها مرتبطة أساسا في المنهج القرآني بحقائق التصور الإسلامي عن الكون والحياة والإنسان، ولذلك فهي من مقتضيات العقيدة، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللََّهِ جَمِيعًا وَلََا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا}
(1) الوحدة الإسلامية أو التقريب بين المذاهب السبعة جمع وترتيب عبد الكريم الشيرازي ط 1مؤسسة الأعلى بيروت: 1975م ص 142.
(2) زكريا المصري وحدة الأمة الإسلامية ص 3635.