فهرس الكتاب
{نِعْمَتَ اللََّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدََاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوََانًا وَكُنْتُمْ عَلى ََ شَفََا حُفْرَةٍ مِنَ النََّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهََا كَذََلِكَ يُبَيِّنُ اللََّهُ لَكُمْ آيََاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103] .
فجاءت الدعوة إلى الاعتصام والتمسّك بحبل الله الذي يمثّل قاعدة التصور الإسلامي، ثم جاء النهي عن التفريق في الدين والاختلاف فيه كما اختلف اليهود والنصارى «والعرب وقت نزول هذه الآية لم تكن مجتمعة على الإسلام، ولا مؤتلفة القلوب عليه، وكانت الأوس والخزرج قد اجتمعت على الإسلام، وتألفت عليه بعد العداوة المفرطة والحروب التي كانت بينهم، ولما تقدم أنه أمرهم بالاعتصام بحبل الله وهو الدين ونهاهم عن التفرق وهو أمر ونهي بديمومة ما هم عليه إذ كانوا معتصمين ومؤتلفين ذكّرهم بأن ما هم عليه من الاعتصام بدين الإسلام وائتلاف القلوب إنما كان سببه إنعام الله عليهم بذلك، إذ حصل منه تعالى خلق تلك الداعية في قلوبهم المستلزمة بحصول الفعل، فذكر النعمة الدنيوية والأخروية، أمّا الدنيوية فتألف قلوبهم وصيرورتهم إخوة في الله متراحمين بعد ما أقاموا متحاربين متقاتلين نحوا من مائة وعشرين سنة إلى أن ألّف الله بينهم بالإسلام وأما الأخروية فإنقاذهم من النار بعد أن كانوا أشفوا على دخولها» [1] .
والقرآن الكريم يهدف من وراء دعوته إلى اجتماع الأمة كلها على منهج واحد، وتصوّر واحد، وعدم الاختلاف والتفرق فيه، قال تعالى: {إِنَّ هََذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وََاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 93] ، «وقد شبّه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بأعضاء الجسد الواحد، ولم يكن شيء أبغض إليه بعد الكفر بالله من الاختلاف والتنازع، ولو في الأمور العادية، ولما كان الاختلاف في الفهم والرأي من طباع البشر {وَلََا يَزََالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلََّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذََلِكَ خَلَقَهُمْ}
[هود: 119118] ، خصّ الاختلاف المذموم في الإسلام بما كان عن تفريق أو سببا للتفرق، وجرى على ذلك السلف الصالح، فحظروا فتح باب الآراء في
(1) أبو حيان الأندلسي تفسير البحر المحيط ج 3ص 287286.