فهرس الكتاب
العقائد وأصول الدين، وحتموا الاعتصام فيهما بالمأثور من غير تأويل، وخصوا الاجتهاد بالأحكام العملية، ولا سيّما المعاملات، وكان بعضهم يعذر كل من خالفه في المسائل الاجتهادية ولا يكلّفه موافقته في فهمه» [1] .
وقد كانت عنايته بالاجتماع والوحدة كبيرة لما لهما من أهمية كبيرة في واقع الناس وواقع المجتمعات، وقد عني بإحكام الرابطة بين المسلمين لكي تنمحي الفوارق بينهم، وتختفي فيها الطبقات، ويتساوى فيها جميع الأفراد في منازلهم وحقوقهم وواجباتهم، كما يتساوى الإخوة في الأسرة الواحدة» [2] .
وأراد القرآن أن يجعل لهذه «الوحدة وتلك الرابطة ما لرابطة الأخوة من القوة والمكانة، والحرص على صيانتها، والبعد بها عن أن تتعرض لمعاول الهدم والتفريق وأسباب الخصومة والنزاع، فنزل قوله تعالى في سورة الحجرات: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللََّهَ} [الحجرات:
10]، بيانا لمنزلة هذه الرابطة، وإيجابا لصيانتها بالإصلاح بين أفرادها إذا ما اشتجر بينهم خلاف، أو عصفت فيهم ريح الفرقة، وليس أدلّ على مكانتها من أن يعدها الله نعمة يمنّ بها عليهم، ويدعوهم إلى الحرص عليها، ويحذرهم من الفرقة بعد اعتصامهم بها، إذ يقول في سورة آل عمران: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللََّهِ جَمِيعًا وَلََا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللََّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدََاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوََانًا} [آل عمران: 103] ، وقوله أيضا: {وَلََا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَهُمُ الْبَيِّنََاتُ وَأُولََئِكَ لَهُمْ عَذََابٌ عَظِيمٌ} (105) [آل عمران: 105] [3] .
ويأتي النهي عن الفرقة دائما في سياق الدعوة إلى الوحدة ونبذ أسباب الاختلاف في الدين، أو في سياق الدعوة إلى عبادة الله والتمسك بحبله المتين، ومن جملة هذه الآيات قوله تعالى: {كََانَ النََّاسُ أُمَّةً وََاحِدَةً فَبَعَثَ اللََّهُ النَّبِيِّينَ}
(1) محمد رشيد رضا الوحدة الإسلامية والأخوة الدينية ط دار المنار: مصر ص 130.
(2) ينظر: الوحدة الإسلامية أو التقريب بين المذاهب السبعة ص 142.
(3) الوحدة الإسلامية أو التقريب بين المذاهب السبعة ص 143142.