وفي الآية محسن الاحتباك، إذ حذف مقابل، {أَفَمَنْ يُلْقى ََ فِي النََّارِ} ، وهو من يدخل الجنة، وحذف مقابل، {أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا} ، وهو من يأتي خائفا وهم أهل النار [1] .
وأسلوب العرض بالتقابل في هذه الآية يساهم مساهمة فعالة في عملية الإقناع، إذ يعطي للنفس البشرية مجالا للتفكير في الشيئين المتقابلين، ليأتي بعد ذلك الحكم على أيهما أحق بالاتباع، وعلى أيهما أولى بالاختيار.
فبعد عرض هذه النماذج القرآنية القليلة يمكن أن نستنتج أن المقابلة هي إحدى وسائل الإقناع في القرآن، وهي تؤدي وظيفة كبيرة في تحريك قوى النفس بما تمنحه للمعاني من قوة وحسن، وللتعبير من تناسق وجمال.
تؤدي المقابلة دورا كبيرا في الأسلوب القرآني، فهي من الأساليب القادرة على مخاطبة قوى النفس جميعها، وذلك بتحريك قوة العقل، وتنشيط قوة الشعور، وتفعيل غريزة حبّ الاستطلاع، وذلك لتلبية حاجات النفس المتطلعة دائما إلى المتعة الوجدانية، والنكتة العقلية، والراغبة في الأسلوب الجميل، والمعنى العميق.
والمقابلة بانسجامها مع بقية الأساليب وبخاصة أسلوب التصوير تضفي جمالا فنيا خاصا على التعبير، ومنشأ هذا الجمال وجود الصور المتقابلة، والألوان المتباينة، والنماذج البشرية المختلفة، والحقائق الدينية المتناقضة، وغير ذلك من الأشياء المتضادة في طبائعها وأشكالها.
ولا يتأتى هذا الجمال الفني في التعبير القرآني من مجرد الجمع بين الأشياء المتقابلة، فذلك أمر ميسور في أساليب البشر، بل إنه يتأتى من انسجام كامل
(1) محمد الطاهر بن عاشور تفسير التحرير والتنوير ج 24ص 304و 305.