فالمقابلة في هذه الآيات أتت في سياق الجدل القرآني حول مصدرية القرآن، وقد ساهمت في علمية الإقناع التي يسعى إليها القرآن بالرد على المنكرين، وبسط الأدلة المناسبة أمامهم فقوله تعالى: {فَقَدْ جََاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا}
[الفرقان: 4] ، وقوله: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كََانَ غَفُورًا رَحِيمًا} (6) [الفرقان: 6] ، دليلان واضحان من غير تعقيد كلامي أو جدل عقلي، وهما أقرب إلى البداهة منها إلى العقل، لأن الخطاب موجه إلى كل منافذ النفس كي تأخذ نصيبها من الإقناع والتأثير، فللعقل نصيبه ما دام أن الكفار أنفسهم يعرفون الله بصفاته، ويعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم بخصاله، ويعرفون القرآن بسحره وإعجازه، ومن هنا ناسب خطاب العقل بأن يرد الظلم العقائدي على أهله، وأن يقرر تنزيل القرآن الكريم من الله العليم، أما جانب خطاب الوجدان فيتجلى في جمال التعبير الذي يحرك العواطف ويستميل القلوب [1] .
وتأتي المقابلة أيضا في سياق البرهنة على اليوم الآخر، رغبة من القرآن في إقناع المنكرين، وإفحام الجاحدين بفكرة البعث والجزاء، فمن ذلك قوله تعالى: {أَفَمَنْ يُلْقى ََ فِي النََّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيََامَةِ اعْمَلُوا مََا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت: 40] .
يلاحظ في هذه الآية أنها تعتمد على أسلوبين واضحين في الإقناع بحتمية اليوم الآخر، فأول الأسلوبين الاستفهام التقريري الذي يعد من أقوى الأساليب في الإقناع بما له من قدرة على تحريك قوى النفس وإلزامها بالحجّة، والأسلوب الثاني هو أسلوب المقابلة بين الجنّة وأهلها، والنار وأهلها، ومصير كل فريق يوم القيامة. فقوله: {أَفَمَنْ يُلْقى ََ فِي النََّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيََامَةِ} [فصلت: 40] ، «هو تعريض بهم، وبما ينتظرهم من الإلقاء في النار والخوف والفزع، بالمقابلة إلى مجيء المؤمنين آمنين» [2] .
(1) بن عيسى عبد القادر با طاهر أساليب الإقناع في القرآن الكريم ص 107.
(2) سيد قطب في ظلال القرآن ج 5ص 3126.