كبير الأثر في التمييز بين الأشياء، ومعرفة الصواب من الخطأ، والحسن من القبيح، كما أن المقابلة تفتح أمام العقل البشري آفاقا واسعة للتفكير في طبائع الأشياء المتناقضة، وتعطيه مجالا رحبا للموازنة الهادئة المبنية على الأدلة والبراهين، وتأتي بعد هذه الخطوات فرص الإقناع بما هو حق، ودحض ما هو باطل.
وقال تعالى في الاستدلال على صدق الرسالة: {وَقََالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذََا إِلََّا إِفْكٌ افْتَرََاهُ وَأَعََانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جََاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقََالُوا أَسََاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهََا فَهِيَ تُمْلى ََ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كََانَ غَفُورًا رَحِيمًا} (6) [الفرقان: 64] .
في هذه الآيات مقابلة بين الشبهات التي ساقها الكفار في إبطال المصدر الرباني للرسالة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، وبين الأدلة البديهية التي ساقها القرآن في الرد عليهم، وفي الاستدلال على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى ربانية المصدر القرآني.
لقد قال الكفار عن القرآن الكريم إنه كذب وإفك، وإنه أساطير قديمة افتراها مدعي النبوة ثم نسبها إلى الله، وإنه تلقى الإعانة ممن لهم علم بالكتب السماوية السابقة، ويسوق القرآن جوابه بإيجاز بليغ، دون أن يجادل أو يناقش بعنف، إن أقاويلهم هذه كلّها ظلم وزور، وإن القرآن الكريم يمليه على محمد صلى الله عليه وسلم الذي يعلم الأسرار جميعا، {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ} [الفرقان: 6] .
يقول الفخر الرازي (606هـ) : «إنّ هذا القدر يكفي جوابا عن الشبهة المذكورة، لأنه قد علم كل عاقل أنه عليه السلام تحداهم بالقرآن، وهم النهاية في الفصاحة، وقد بلغوا في الحرص على إبطال أمره كل غاية ولو استعان محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك بغيره لأمكنهم أيضا أن يستعينوا بغيرهم» [1] .
(1) تفسير الفخر الرازي ج 24ص 50.