فهرس الكتاب
هو هذا الحق الذي يسعى الدين إلى نشره، وهذا الخير الذي جاء به القرآن، وبيّنه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فالظلم والباطل لهما جولة ولكن للعدل والحق جولات.
وفي هذه الآيات مقابلة مستفادة من السياق بين الظلم البشري المتمثّل في ظلم أهل الشرك وعداوتهم للإسلام والمسلمين، وبين العدل الإلهي المتمثّل في الحق والنور الإلهي الذي أظهرهما الله على الأرض.
وقال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللََّهِ اثْنََا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتََابِ اللََّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهََا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذََلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلََا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقََاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمََا يُقََاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللََّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}
[التوبة: 36] .
جاء ذكر الظلم في هذه الآية في قوله تعالى: {فَلََا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}
أي «لا تظلموا أنفسكم بالمعاصي في جميع السنة يعني أنّ حرمة الدين أعظم من حرمة الأشهر الأربعة في الجاهلية، ووجه تخصيص المعاصي في هذه الأشهر بالنهي أنّ الله جعلها مواقيت للعبادة» [1] .
قال محمد رشيد رضا: { «فَلََا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} الضمير «فيهن» للأربعة الحرم عند الجمهور، وقيل لجميع الشهور، وظلم النفس يشمل كل محظور ويدخل فيه هتك حرمة الشهر الحرام دخولا أوليا، فإنّ الله تعالى اختصّ بعض الأزمنة وبعض الأمكنة بأحكام من العبادات تستلزم ترك المحرمات فيها، والمكروهات بالأولى، لأجل تنشيط الأنفس على زيادة العناية بما يزكّيها ويرفع من شأنها، فإن من طبع البشر الملل والسآمة من الاستمرار على حالة واحدة تشقّ عليها، فجعل الله العبادات الدائمة خفيفة لا مشقّة في أدائها كالصلوات الخمس الخ» [2] .
(1) محمد الطاهر بن عاشور تفسير التحرير والتنوير ج 10ص 186.
(2) تفسير المنار ج 10ص 413.