ونمضي الآن مع سورة التوبة لدراسة طريقة استخدامها لأسلوب المقابلة في عرض قضية الجهاد وما يقابله من قعود وتخلف عنه، قال تعالى:
{أَجَعَلْتُمْ سِقََايَةَ الْحََاجِّ وَعِمََارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرََامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجََاهَدَ فِي سَبِيلِ اللََّهِ لََا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللََّهِ وَاللََّهُ لََا يَهْدِي الْقَوْمَ الظََّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آمَنُوا وَهََاجَرُوا وَجََاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللََّهِ بِأَمْوََالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللََّهِ وَأُولََئِكَ هُمُ الْفََائِزُونَ} [التوبة: 2019] .
هذه الآيات تقابل في مضمونها بين الجهاد والقعود عنه، وبين المؤمنين المجاهدين وفضلهم عند الله، وبين المتخلّفين الذين اعتبروا المساجد وخدمة الحجيج أفضل أجرا وأحسن عملا عند الله، وقبل الحديث عن أسلوب التقابل لا بد أن نتحدث عن القيم الدينية والمعنوية التي أفرزها هذا الأسلوب في الأداء، فأول قيمة دينية أنه لا وجه للمقابلة بين الجهاد وبين أيّ عمل آخر حتى ولو كان عملا متعلقا ببيت من بيوت الله هو أفضل البيوت عنده، وأفضل خدمة عنده وهي خدمة الحجيج، قال ابن قيم الجوزية (751هـ) : «فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يستوي عنده عمّار المسجد الحرام، وهم عمّاره بالاعتكاف والطواف والصلاة، هذه هي عمارة مساجده المذكورة في القرآن، وأهل سقاية الحاج، لا يستوون هم وأهل الجهاد في سبيل الله، وأخبر أن المجاهدين أعظم درجة عنده، وأنهم هم الفائزون، وأنهم أهل البشارة بالرحمة والرضوان والجنات، فنفى التسوية بين المجاهدين وعمّار المسجد الحرام مع أنواع العبادة، مع ثنائه على عمّاره بقوله: {إِنَّمََا يَعْمُرُ مَسََاجِدَ اللََّهِ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقََامَ الصَّلََاةَ وَآتَى الزَّكََاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللََّهَ فَعَسى ََ أُولََئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18] فهؤلاء هم عمّار المساجد ومع هذا فأهل الجهاد أرفع درجة عند الله منهم» [1] .
لقد قابلت الآيات بين المؤمنين المجاهدين والقاعدين المتخلفين، وبعد هذه المقابلة جاء نفي التسوية بينهما في ميزان الحق والعدل، و «لما كان نفي
(1) طريق الهجرتين ط قطر ص 623.