فهرس الكتاب
ج وإنّ الوجود الإنساني كلّه مبني على التقابل بين الأشياء بدليل البداهة، وبدليل القرآن الكريم، فما من شيء إلّا وله ما يقابله وينافيه في أوصافه إذا كانا تحت جنس واحد، والعقل البشري مجبول في أصل خلقته على
أن يقابل بين المتضادات، فهو ينزع دائما إلى المزاوجة بين الأشياء التي تعرض له، وتدور في محيط تفكيره، وقد أقام الله هذا التقابل لمصلحة يراها هو تحقيقا لضرورة سير الحياة.
د سورة «التوبة» من السور القرآنية القائمة على قضية مركزية هي الصراع بين الحق والباطل، والتمييز بينهما، وهي من السور التي تنوّع في طرق أدائها، وقد كان حظ «المقابلة» من ذلك كبيرا، إذ حوت مجموعة من المقابلات الكبرى التي ركزنا عليها في هذا البحث.
هـ اقتضى منهج البحث أن يكون التركيز على المقابلات الكبرى في القرآن الكريم، وفي سورة «التوبة» خاصة وقد خلص البحث إلى أن المقابلة طريقة رائعة في العرض، وقد حقق هذا العرض قيما فكرية ودينية وأخلاقية وسياسية واقتصادية كثيرة، وكانت غاية المقابلة في الجمع بين المتضادات هي عرض الصور كاملة غير ناقصة في جانب من جوانبها لتعرف النفس البشرية حقائق الأشياء، سواء أكانت خيرا أو شرا، ضررا أو منفعة، ثم لتعرف كيف تختار بين هذا وذاك.
وإن المقابلة هي إحدى طرق العرض القوية في القرآن، وليست محسّنا معنويا بسيطا يدرس في حيّز ضيق هو علم البديع، فالواجب بعد الآن عدها من أساليب القرآن البليغة، وطرق عرضه الرائعة، والواجب كذلك تصنيفها تصنيفا آخر، وإعطاؤها موقعا جديدا في علم البلاغة.
ز والمقابلة تتكامل مع أسلوب التصوير حيث أن عرض الصورة وما يقابلها أمر مقصود في التعبير القرآني لما فيه من قدرة على التأثير والإقناع، ولأنّ عرض الصورة في اتجاه واحد، قد لا يكون له نفس الحظ من الكمال في التعبير مثلما تعرض الصورة وما يقابلها في السياق نفسه، وهذا يسهل عملية عقد المقارنة والمفاضلة بينهما ليأتي الحكم النهائي مناسبا للمعرفة التامة.