فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 238

والخاصية الثانية للقرآن تتعلّق بالحقيقة الكبرى التي يقوم عليها الكون والوجود الإنساني كله، وهي الحقيقة التي يسعى القرآن إلى بثّها وتثبيتها في النفوس، حقيقة أنّه لا إله إلا الله، وأنّه لا معبود بحقّ سواه، وهي الحقيقة التي تشكل التصور الإسلامي عن الله والكون والإنسان.

يقول جوستاف لوبون: «تشتق سهولة الإسلام العظيمة من التوحيد المحض، وفي هذه السهولة سر قوّة الإسلام، والإسلام وإدراكه سهل، خال مما نراه في الأديان الأخرى، ويأباه الذوق السليم، غالبا من التناقضات والغوامض، ولا شيء أكثر وضوحا وأقلّ غموضا من أصول الإسلام القائلة بوجود إله واحد، وبمساواة جميع الناس أمام الله» [1] .

فالوحدانية بخصائصها ومقوماتها هي المحور الأساسي في القرآن، وهي القضية الكبرى التي عني بها عناية كبيرة إنّها أخذت الحيّز الأكبر في آي القرآن، فقد طال في سوره إثبات الوحدانية، ودمغ كل شائبة تنسب الشرك إلى الألوهية، واطّرد حجاج القرآن في هذه القضية حتى عدّها قضيته المصيرية [2]

والوحدانية التي يدعو إليها القرآن الكريم لها مقوماتها الخاصة التي لا نجدها في الأديان السماوية التي تسرّب إليها التحريف، ولابسها الشرك، ولا في الأديان البشرية الوضعية التي طغى عليها الضلال، وكثرت فيها الأهواء، إنّها مقومات تجرّد التوحيد، وتجعله خالصا لله وحده، وتنفي عنه الشرك بأنواعه كلّها، ولذلك استبحرت الآيات القرآنية في سرد هذا المعنى، وركّز «المنهج القرآني تركيزا شديدا على هذه الحقيقة لتعميقها في الضمير البشري، وسلك بها إلى هذا الضمير كل مسالك الكينونة البشرية، واتّبع شتى أساليب الاستجاشة والتأثير، والإبانة والتقرير ليقرّ في النفس البشرية حقيقة العبودية لله وحده بلا شريك، والدينونة لله وحده بلا منازع، باعتبار أنّ هذه العبودية، وهذه الدينونة شاملتان للوجود كلّه، غير مقصورتين على الكائن الإنساني» [3] .

إن الوحدانية التي حمل لواءها القرآن هي الاعتراف لله وحده بالخلق والأمر، {أَلََا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] ، والاعتراف له بحق العبادة التي

(1) حضارة العرب ص 125.

(2) محمد الغزالي نظرات في القرآن ط دار البعث: الجزائر ص 74.

(3) سيد قطب مقومات التصور الإسلامي ص 82.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت