عمرو ابن عوف، وكبَّر المسلمون فرحًا بقدومه، وخرجوا للقائه، فتلقّوْهُ وحيَّوه بتحية النبوة، وأحدقوا به مطيفين حولَه، والسكينة تغشاه، والوحي ينزِل عليه، فسار حتى نزل - صلى الله عليه وسلم - بقباء على كلثوم بن الهدم. وجاء المسلمون يسلِّمون على رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، وأكثرهم لم يره بعدُ، وكان بعضهم أو أكثرهم يظنُّه أبا بكر لكثرة شيبة، فلما اشتدَّ الحرُّ قام أبو بكر بثوب يُظلِلُ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتحقق الناسُ حينئذ رسولَ الله عليه الصلاة والسلام [1] .
وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قد خرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين [2] ، واستغرقت الهجرة النبوية الشريفة خمسة عشر يومًا، قضى منها - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أيّام في غار ثور متخفيًا [3] .
فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقباء أربعة عشر يومًا، وأسس مسجد قباء، ثم ركب بأمر الله تعالى فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلاّها في المسجد الذي في بطن رانونا [4] ، ورغب إِليه أهلُ تلك الدار أن ينزل عليهم، فقال:"دعوها، فإِنّها مأمورة"، فلم تزل ناقته سائرة به لا تمرّ بدار من دور الأنصار، إِلَّا رغبوا إِليه في النزول عليهم، فيقول:"دعوها، فإِنّها مأمورة".
فلما جاءت موضع مسجدِه اليومَ بركت، ولم ينزل عنها - صلى الله عليه وسلم -، حتى نهضت وسارت قليلًا، ثم التفتت ورجعت فبركت في موضعها الأول، فنزل عنها - صلى الله عليه وسلم -، وذلك في دار
(1) جزء من حديث أخرجه البخاري في المناقب، باب هجرة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إِلى المدينة ح (3069) .
(2) أخرجه أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما (1/ 277) ، وفيه: ابن لهيعة.
(3) انظر: البداية والنهاية (3/ 472) .
(4) رانونا: واد يبدأ من جنوب غربي قباء ويلتقي بوادي بُطحان قرب المدينة.