الإنساني في الجغرافية ، وما حدد وضبط في الخرائط على تعاقب الأجيال ، فحاول أن يقيس ارتفاع الجبال وعمق البحار من جديد ، ويختبر الصحارى والمسافات والحدود بنفسه على قصر عمره ، وضعف قوته ، وفقدان آلته ، فلم يلبث أن انقطعت به مطيته وخانته عزيمته ، فرجع بمذكرات وإشارات مختلة ، وكذلك الذين خاضوا في الإلهيات من غير بصيرة ، وعلى غير هدى ، جاءوا في هذا العلم بآراء فجة ، ومعلومات ناقصة ، وخواطر سانحة ، ونظريات مستعجلة ، فضلوا وأضلوا
وكذلك منحهم الأنبياء عليهم السلام مبادئ ثابتة ومحكمات هي أساس المدنية الفاضلة ، والحياة السعيدة في كل زمان ومكان ، فحرموها على تعاقب الأعصار ، فبنوا مدنيتهم على شفا جرف هار ، وأساس منهار ، وعلى قياس واختيار ، فزاغ أساس المدنية وتداعى بناؤها ، وخر عليهم السقف من فوقهم .
وكان الصحابة رضي الله عنهم سعداء موفقين جدًا ، إذ عوّلوا في ذلك كله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكفوا المئونة وسعدوا بالثمرة ، ووفروا ذكائهم وقوتهم وجهادهم في غير جهاد ، ووفروا عليهم أوقاتهم فصرفوها فيما يعنيهم من الدين والدنيا وتمسكوا بالعُروة الوثقى ، وأخذوا في الدين بلب اللباب .