فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 301

فأصبح الناس لا يجدون عائقًا عن الإسلام ، ولا يواجهون صعوبة وعنتًا في سبيل قبول الإسلام ولا يرون للجاهلية مرجحًا ومصلحة ، ويدخل الرجل في الإسلام فلا يخسر شيئًا ولا يفقد شيئًا ويجد برد اليقين وحلاوة الإيمان وعزة الإسلام ودولة قوية يعتز بها وأنصارًا يفدونه بأرواحهم وأنفسهم ، ونفسًا مطمئنة وثقة في الحياة بعد الموت ، فصار الناس ينتقلون من معسكر الجاهلية إلى معسكر الإسلام باختيارهم ، وصارت أرض الجاهلية تنتقص من أطرافها وكلمة الإسلام تعلو وظله يمتد ، حتى ارتفعت الفتنة وكان الدين لله .

وكان تأثير هذا الانقلاب عظيمًا جليلًا ، فكان الطريق إلى الله من قبل في دولة الجاهلية وغربة الإسلام شاقًا عسيرًا محفوفًا بالأخطار ، فأصبح الآن سهلًا يسيرًا آمنًا مسلوكًا ، وكان يصعب على الإنسان في الوسط الجاهلي أن يطيع الله ، فصعب عليه في الوسط الإسلامي أن يعصي الله ، وكانت الدعوة إلى النار بالأمس ظاهرة منصورة فأصبحت اليوم خافتة مخذولة ، وكانت أسباب سخط الله وعصيانه مكشوفة موفورة فعادت نادرة مستورة ، وكانت الدعوة إلى الله في أرض الله جريمة قد ترتكب سرًا وخفية ، فأصبحت جهرًا وعلانية وحرة آمنة لا تلقى معارضة ذات بال ، ولا يخاف أصحابها اضطهادًا في سبيل العقيدة وأذى في سبيل الدين الجديد: { تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ } وأصبح أصحابها يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، يأمرون وينهون بمعنى الكلمة .

صارت طباع الناس وعقولهم تتغير وتتأثر بالإسلام من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون ، كما تتأثر طبيعة الإنسان والنبات في فصل الربيع ، وبدأت القلوب العاصية الجافة ترق وتخشع وبدأت مبادئ الإسلام وحقائقه تتسرب إلى أعماق النفوس وتغلغل في الأحشاء ، وبدأت قيمة الأشياء تتغير في عيون الناس والموازين القديمة تتحول وتخلفها الموازين الجديدة ، وأصبحت الجاهلية حركة رجعية كان من الجمود والغباوة المحافظة عليها ، وصار الإسلام شيئًا راقيًا عصريًا كان من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت