إقامة حكومة قائمة على أساسها ومناهجها متشبعة بمبادئها ، ومن إقامة مدنية مطبوعة بطابعها مبنية على أحكامها مثل ما تمكنوا في هذه المرة ، ولم تنل هذه الدعوة والجهود من النجاح في هذا السبيل مثل ما نالت أخيرًا على يد محمد - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين ، فكان هذا الفتح المبين للإسلام محنة جديدة للجاهلية لم تعهدها من قبل ، ولم تعرف كيف تخرج منها ، عهدها بها دعوة دينية روحية فإذا هي تصبح نجاة وسعادة وروحًا ومادة وحياة وقوة ومدنية واجتماعًا وحكومة وسياسة . دين سائغ معقول كله حكمة وبداهة إزاء أوهام وخرافات وأساطير ، وشرع إلهي ووحي سماوي إزاء أقيسة وتجارب إنسانية وتشريع بشري ، ومدنية فاضلة قوية البنيان محكمة الأساس ، يسود فيها روح التقوى والعفاف والأمانة ، وتقدر فيها الأخلاق الفاضلة فوق المال والجاه ، والروح فوق المظاهر الجوفاء ، يتساوى الناس فلا يتفاضلون إلا بالتقوى ، ويهتم الناس بالآخرة فتصبح النفوس مطمئنة والقلوب خاشعة ، ويقل التنافس في أسباب هذه الحياة والتكالب على حطام الدنيا ، ويقل التباغض والتشاحن ، كل ذلك إزاء مدنية صاخبة مضطربة متناحرة متداعية البنيان متزلزلة الأركان ، يظلم الكبير فيها الصغير، ويأكل القوي فيها الضعيف ، ويتسابقون في اللهو والفجور ، يتنافسون ف الجاه والأموال وأسباب الترف والنعيم ، حتى تصبح الدنيا كلها حربًا في حرب وتصبح المدنية جحيمًا على أهلها ، {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } حكومة عادلة تساوي بين رعيتها وتأخذ للضعيف من القوي ، وتحرس للناس أخلاقهم كما تحرس لهم بيوتهم وأموالهم ، وتحفظ عليهم دماءهم وأعراضهم ، خيارهم أمراؤهم ، وأزهدهم في العيش أملكهم لأسبابه وأقدرهم عليه ، إزاء حكومة عم فيها الجور والعسف ، وتواضع رجالها على الخيانة والظلم ، وتسابق أهلها في أكل أموال الناس وهتك أعراضهم وسفك دمائهم ، وتفسد على الناس أخلاقهم بما تضرب لهم مثلًا بأخلاقها ، شرارهم أُمراؤهم وملوكهم ، تشبع دوابهم وكلابهم وتجوع رعيتهم ، وتكسى بيوتهم ويعرى الناس .