خيرة بين الحق والباطل ، وليس شيء وسطًا بينهما ، لذلك هو يلح على العمل لأنه جزء لازم للأخلاق لا غنى عنه ، ينبغي لكل فرد مسلم أن يعيد نفسه مسئولًا شخصيًا عن المحيط الذي يحيط به وكل ما يقع حوله ، ومأمورًا بالجهاد لإقامة الحق ومحق الباطل في كل وقت وفي كل جهة ، فإن القرآن يقول {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ } ، هذا هو المبرر الخلقي للحركة الإسلامي الجهادية والفتوح الإسلامية الأولى والاستعمار الإسلامي ، فالإسلام استعماري إن كان لا بد من هذا التعبير ، ولكن هذا النوع من الاستعمار ليس مدفوعًا بحب الحكومة والاستيلاء ، وليس من الأثرة الاقتصادية للقومية في شيء ، ولم يكن يحفز المجاهدين الأولين إلى الجهاد طمع في خفض من العيش ورخائه على حساب الناس الآخرين ، ولم يقصد منه إلا بناء إطار عالمي لأحسن ما يمكن للإنسان من ارتقاء روحي ، كما أن العلم بالفضيلة حسب تعليم الإسلام يفرض على الإنسان تبعة العمل بالفضائل . الإسلام لا يوافق أبدًا على الفصل الأفلاطوني والتفريق النظري البحت بين الفضيلة والرذيلة ، بل يرى أنه من الوقاحة والرذيلة أن يميز الإنسان نظريًا بين الحق والباطل ، ولا يجاهد لارتقاء الحق وإزاحة الباطل ، فإن الفضيلة- كما يقول الإسلام- تحيا إذا جاهد الإنسان لبسط سلطانها على الأرض وتموت إذا خذلها وتقاعد عن نصرتها [1] ).
المدنية الإسلامية وتأثيرها في الاتجاه البشري:
كان ظهور المدنية الإسلامية بروحها ومظاهرها وقيام الدولة الإسلامية بشكلها ونظامها في القرن الأول لهجرة محمد - صلى الله عليه وسلم - فصلًا جديدًا في تاريخ الأديان والأخلاق ، وظاهرة جديدة في عالم السياسة والاجتماع ، انقلب به تيار المدنية ، واتجهت به الدنيا اتجاهًا جديدًا ، فكانت الدعوة الإسلامية لم يزل يأتي بها الأنبياء ويبشر بها المبشرون ويجاهد في سبيلها المخلصون ، ولكن لم يكن يتمكن دعاتها من