وقد سلم العلماء الأوربيون بغلبة المادية في الحضارة اليونانية ، ونوهوا بها في كتبهم وبحوثهم العلمية ، وقد ألقى العالم الألماني الدكتور (( هاس ) ) ( Haas ) ثلاث محاضرات في جنيف عنوانها (( ما هي المدينة الأوربية ؟ ) )وهو من العلماء الذين يرون أن المدنية الغربية لم تتأثر بالشرق ، وأنها مدينة مفردة ممتازة ، ونلخص هنا كلامه فيما نحن بصدده:
(( المدنية اليونانية هي مركز المدينة الغربية الحاضرة ، وكان المهم عند رجالها نشوء قوى الإنسان نشوءًا مناسبًا وكان المثل الكامل عندهم الجسم الجميل المتناسب ، وليس هذا إلا اعتدادًا بالمحسوسات اعتدادًا كبيرًا ، وكان أكبر عنايتهم بالرياضة البدنية والألعاب الرياضية والرقص وغيره ، وكان التثقيف الذهني الذي يحتوي على الشعر والغناء والتمثيل والفلسفة وعلوم الطبيعة لا يتجاوز حدًا خاصًا حتى لا يكون ارتقاء الذهن على حساب الجسم ، وكان الدين خلوًا من الروحانية المعنوية ؛ لم يكن فيه علم الدين ولا طبقة رجال الدين . أما اللون الروحي الذي في تقاليد (( أزفس ) )وغيرها فإنما هو مستعار من الشرق ولا يصح أن ينسب إلى المدينة اليونانية )) .
ولاحظ كثير من العلماء الأوربيين رقة الدين في اليونان وقلة الخشوع والجد في أعمالهم وكثرة اللهو والطرب في حياتهم . يقول ليكي في كتابه (( تاريخ أخلاق أوربا ) ): (( إن الحركة اليونانية كانت عقلية وذهنية محضة ، وكانت الحركة المصرية بالعكس من الأولى ، روحية باطنية . وينقل (( أبوليس ) )المؤلف الرومي قوله: (( إن المصريين كانوا يعظمون آلهتهم بالتضرع والبكاء ، وكان اليونانيون يعظمون آلهتهم بالرقص والغناء ) )ويعلق عليه بقوله: (( لا ريب أن التاريخ اليوناني يصدق ذلك ويؤيده ، فلا نعلم دينًا من الأديان يزاحم دين اليونان وتقاليده في كثرة الأفراح والأعياد والألعاب وفي قلبه الخشية والخشوع ، فلم يكن اليونان يعظمون الله تعالى إلى كما يعظمون شيوخهم وعظماءهم ، وكانوا يكتفون في تعظيمه وتمجيده برسوم عادية وتقاليد جارية ) ).