وكان لليونان فلسفة إلهية وعقائد يستغرب معها الخشوع لله وعبادته والتضرع له والالتجاء إليه والاطراح على عتبته ، فإن من ينفي الصفات عن الله تعالى ويعطله وينفي عنه الاختيار والأفعال والخلق والأمر في هذا الكون ، ويربط هذا العالم بما يسمونه (( العقل الفعال وحركات الأفلاك ) )فإنه بطبيعة هذه العقيدة لا يقصد الله في حياته العملية إلا تقليدًا ، ولا يرجوه ولا يهابه ولا يحبه ولا يخر لعظمته ، ولا يستغيث به في شدته ولا يسبح بحمده ويعيش كأنه إله ولا رب ؛ فإذا سمعنا أن اليونان لم يكونوا خاشعين لله وكانت عبادتهم وأعمالهم الدينية أجسادًا بغير أرواح ، وأنهم كانوا يعظمون الله كما كانوا يعظمون شيوخهم وكبارهم لم نستغربه البتة ، وإنما نتعجب إذا سمعنا عكس ذلك ، وقد أثرت شدة الاعتداد بالحياة الدنيا والمبالغة في قيمتها ، وكذلك الولوع بالتماثيل والصور والغناء والموسيقى التي يسميها اليونان الفنون الجميلة ولهج الأدباء والمؤلفين بالحرية الشخصية التي لا تعرف قيدًا ولا تقف عند حد تأثيرًا سيئًا في أخلاق اليونان ومجتمعها ، فانتشرت الفوضى في الأخلاق وحدثت ثورة على كل نظام ، وأصبح شعار الرجل الجمهوري ( وهو كناية عن الحر والمتنور ) الجري وراء الشهوات العاجلة ، وانتهاب المسرات ، والتهام الحياة التهام الجائع النهم . يصف سقراط - كما ينقل عنه أفلاطون في كتابه (( المملكة ) )- الرجل الجمهوري فكأنما يصف ناقد من نقاد هذا القرن فتى القرن العشرين في إحدى عواصم المدينة الغربية:
(( إذا قيل له: إن بعض المسرات من الرغبات التي هي طيبة وتستحق الاحترام وبعضها من الشهوات التي هي قبيحة ، وإن الأولى ينبغي أن يعمل بمقتضاها وتحترم والأخرى مما ينبغي أن يمنع عنها ويقام عليها الحجر ، لم يقبل هذا الرجل هذا القانون الصحيح ولا يسمح بسماعه ؛ فإذا عرضت عليه هذه الحقائق أنغض إليك رأسه مستهزئًا وأكد أن جميع الشهوات سواء وتستحق الاحترام بغير فرق بينها ، وهكذا يعيش ويقضي أيامه مرضيًا شهواته التي تعتريه أحيانًا ، ذات يوم تراه سكران ثملا مصغيًا إلى الغناء ، وفي يوم آخر تراه صائمًا يجتزئ بالماء ، وتارة يدخل