في التربية والتمرين ، وأخرى تراه كسلان عاطلًا يهمل كل شيء ، ومرة تراه يعيش عيش فيلسوف ، وأحيانًا يدخل في السياسة وينهض ويخطب بمقتضى الوقت ، ربما يمدح بعض رجال الحرب والجندية ويميل إليهم أو يشرع في التجارة لأنه يغبط التاجر الرابح ، ليس لحياته نظام ولا ضبط ولكنه يعد هذه الحياة هنيئة ناعمة سارة ويواصلها إلى النهاية )) .
أما الوطنية فهي من لوازم الطبيعة الأوربية ، وهي أظهر وأقوى في أوربا منها في آسيا ، وقد أغرى بذلك الطبيعة الجغرافية وأوحته ، لأن المناطق الطبيعية في آسيا واسعة جدًا وتشمل على مناخات وعلى أجيال وأنواع كثيرة للبشر ، وهي غنية مخصبة في وسائل المعيشة ؛ فالمملكة في القارة الآسيوية تجنح بحكم الطبيعة إلى السعة والعموم ، وظهرت في أرضها وازدهرت أوسع ممالك عرفها التاريخ ، أما في أوربا فالتنازع على البقاء فيها شديد ، والكفاح للحياة دائم مستمر ، لتزاحم العمران وضيق المناطق وقلة وسائل المعيشة ، وقد حصرت الجبال والأنهار الأجناس الأوربية ، في نطاق طبعي دائم ، وبالأخص الجزء الأوسط الغربي والجزء الجنوبي من أوربا ، لا يسمح لممالك واسعة عظيمة ، وقد شاءت طبيعة هذه القارة أن تكون منشأ لممالك ضيقة صغيرة ، لذلك كان التصور السياسي في أوربا في القديم لا يكاد يجاوز ممالك بلدية لا تزيد منطقتها على أميال مستقلة استقلالًا تامًا ، وأكبر مظهر لهذا التصور أرض يونان حيث وجدت من فجر التاريخ عشرات من مدن صغيرة مستقلة .
فلا عجب إذا كان اليونان يدينون بالوطنية وينتحلونها ، وقد سلم (( ليكي ) )أن الفكرة الوطنية هي الفكرة السائدة في اليونان ، وكانت الفكرة العالمية التي قد نطق بها بعض حكمائهم كسقراط وانكساغورس شاذة لم تنل أنصارًا وانتصارًا في يونان ، فكان نظام أرسطاطاليس الأخلاقي مبنيًا على التمييز بين اليوناني وغير اليوناني ، وكان حب الوطن يتقدم فضائل الأخلاق التي أجمع عليها حكماء اليونان ، وأن أرسطاطاليس لم يكتف بحب وطنه والولاء له فحسب ؛ بل قال: إن اليونانيين