ينبغي لهم أن يعاملوا الأجانب بما يعاملون به البهائم ؛ وقد راجت هذه الفكرة الوطنية الضيقة في الأوساط اليونانية وتغلغلت في الأحشاء ، حتى لما قال فيلسوف إنه لا يخص مواطنيه بمواساته بل سيكون بره عامًا لجميع اليونانيين استشرفه الناس عجبًا ونظروا إليه شزرًا .
خصائص الحضارة الرومية:
خلف اليونان الروم وفاقوهم في القوة والتنظيم للمملكة واتساع الدولة وصفات الجندية ، ولكن لم يلحقوا بهم بعد في العلم والفلسفة والآداب والشعر والتهذيب واللباقة والمدنية التي كان للإغريق فيها فضل وتقدم على جميع الأمم المعاصرة وعلى الروم أيضًا الذين كانوا لا يزالون في دورهم العسكري ، فخضعوا لهم علميًا وتطفلوا على مائدتهم واقتبسوا من علومهم وفلسفتهم وأفكارهم .
يقول ليكي:
(( إن اليونان كانت لهم ثروة علمية ضخمة أنتجوها وزادوا فيها على مر القرون والعصور ، وكانت رومة لا تزال في طورها الجندي لا تملك أثرًا من الآثار الأدبية ، بل كانت لغتها قاصرة في التعبير عن الأفكار والمعاني العالية ، فغُلب الروم بتخلفهم وقصورهم في العلم ، وانقلبوا صاغرين للمدنية اليونانية التي غُلب أهلها في السياسة ، ولم يزالوا مأخوذين بسحرهم في كل قسم من أقسام العلم ، فكان المؤرخون الأقدمون في الروم يؤلفون كتبهم باليونانية ، واستمرت اليونانية لغة التأليف والعلم بعد ما بدأ شعراء الروم ينظمون الشعر في اللاتينية ) ).
ولم يكن هذا الخضوع خاصًا في عالم التأليف والأدب فحسب ، بل غلبت المدنية الإغريقية المدنية الرومية في الأخلاق والسجايا والعشرة والاجتماع وفي العواطف والنزعات ، وفي كل ناحية من نواحي الحياة العامة ، وأصبح الروم يقلدون الإغريق ويتنبلون بذلك ويتظرفون .
وهكذا انتقلت الفلسفة اليونانية والثقافة اليونانية ، بل النفسية اليونانية إلى الروم ، وجرت منهم مجرى الروح والدم ، ولم يكن الروم - بطبيعتهم الأوروبية -