في عصر من العصور غاية ما وصل إليه علم البشر فإنه لا يؤمن عليه التحول والتعارض ؛ فإن العلم الإنساني متدرج مترق ، فمن بنى عليه دينه فقد بنى قصرًا على كثيب مهيل من الرمل . ولعلهم فعلوا ذلك بنية حسنة ولكنه كان أكبر جناية على أنفسهم وعلى الدين ، فإن ذلك ، كان سببًا للكفاح المشئوم بين الدين والعقل والعلم الذي انهزم فيه ذلك الدين المختلط بعلم البشر الذي فيه الحق والباطل والخالص والزائف - هزيمة منكرة ، وسقط رجال الدين سقوطًا لم ينهضوا بعده ، وشر من ذلك كله وأشأم أن أوربا أصبحت لا دينية.
ولم يكتف رجال الدين بما أدخلوه في كتبهم المقدسة ، بل قدسوا كل ما تناقلته الألسن واشتهر بين الناس وذكره بعض شراح التوراة والإنجيل ومفسريها من معلومات جغرافية وتاريخية وطبيعية ، وصبغوها صبغة دينية وعدوها من تعاليم الدين وأصوله التي يجب الاعتقاد بها ونبذ كل ما يعارضها ، وألفوا في ذلك كتبًا وتآليف ، وسموا هذه الجغرافية التي ما أنزل الله بها من سلطان الجغرافية المسيحية ( Christian Topography ) وعضوا عليها بالنواجذ وكفروا كل من لم يدن بها .
اضطهاد الكنيسة للعلم:
وكان ذلك في عصر انفجر فيه بركان العقلية في أوربا ، وحطم علماء الطبيعة والعلوم سلاسل التقليد الديني فزيفوا هذه النظريات الجغرافية التي اشتملت عليها هذه الكتب وانتقدوها في صرامة وصراحة ، واعتذروا عن عدم اعتقادها والإيمان بها بالغيب ، وأعلنوا اكتشافاتهم العلمية واختباراتهم ، فقامت قيامة الكنيسة ، وقام رجالها المتصرفون بزمام الأمور في أوربا وكفروهم واستحلوا دماءهم وأموالهم في سبيل الدين المسيحي ، وأنشأوا محاكم التفتيش التي تعاقب - كما يقول البابا - أولئك الملحدين والزنادقة الذين هم منتشرون في المدن وفي البيوت والأسراب والغابات والمغارات والحقول ، فجدت واجتهدت وسهرت على عملها ، واجتهدت أن لا تدع في العالم النصراني عرقًا نابضًا ضد الكنيسة ، وانبثت عيونها