فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 301

في طول البلاد وعرضها ، وأحصت على الناس الأنفاس ، وناقشت عليهم الخواطر حتى يقول عالم نصراني: (( لا يمكن لرجل أن يكون مسيحيًا ويموت حتف أنفه ) )، ويقدر أن من عاقبت هذه المحاكم يبلغ عددهم ثلثمائة ألف ، أحرق منهم اثنان وثلاثون ألفًا أحياء كان منهم العالم الطبيعي المعروف برونو ، نقمت منه الكنيسة آراء من أشدها قوله بتعدد العوالم ، وحكمت عليه بالقتل ، واقترحت بأن لا تراق قطرة من دمه ، وكان ذلك يعني أن يحرق حيًا ، وكذلك كان .

وهكذا عواقب العالم الطبيعي الشهير غاليليو (Galilio) بالقتل لأنه كان يعتقد بدوران الأرض حول الشمس .

ثورة رجال التجديد:

هنالك ثار المجددون المتنورون وعيل صبرهم ، وأصبحوا حربًا لرجال الدين وممثلي الكنيسة والمحافظين على القديم ، ومقتوا كل ما يتصل بهم ويعزى إليهم من عقيدة وثقافة وعلم وأخلاق وآداب ، وعادوا الدين المسيحي أولًا والدين المطلق ثانيًا ، واستحالت الحروب بين زعماء العلم والعقلية ، وزعماء الدين المسيحي ، - وبلفظ أصح الديانة والبوليسية - حربًا بين العلم والدين مطلقًا ، وقرر الثائرون أن العلم والدين ضرتان لا تتصالحان ، وأن العقل والنظام الديني ضدان لا يجتمعان ، فمن استقبل أحدهما استدبر الآخر ، ومن آمن بالأول كفر بالثاني ، وإذا ذكروا الدين ، ذكروا تلك الدماء الزكية التي أريقت في سبيل العلم والتحقيق ، وتلك النفوس البريئة التي ذهبت ضحية لقسوة القساوسة ووساوسهم ، وتمثل لأعينهم وجوه كالحة عابسة ، وجباه مقطبة ، وعيون ترمي بالشرر ، وصدور ضيقة حرجة ، وعقول سخيفة بليدة ، فاشمأزت قلوبهم وآلوا على أنفسهم كراهة هؤلاء وكل ما يمثلونه ، وتواصوا به وجعلوه كلمة باقية في أعقابهم .

تقصير الثائرين وعدم تثبتهم:

ولم يكن عند هؤلاء الثائرين من الصبر والمثابرة على الدراسة والتفكير ، ومن الوداعة والهدوء ، ومن العقل والاجتهاد ما يميزون به بين الدين ورجاله المحتكرين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت