فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 301

إن هذه العبادة للمال تناقض عقائدنا الدينية ، لأن الدين يمدح الفقر ويذم الغنى ، ويقول: إن الفقير أقدر على الصلاح من الغني ، ومع أن الحكمة والنعيم الديني متفقان على أن الفقر أوفق لعبادة الله ودخول الجنة ، ولكن الناس لم يرغبوا إلى تصديق الدين في ذلك والعمل بأحكامه ، ولم يزالوا يؤثرون الثروة الحاضرة على نعيم الجنة الموعود ، لعلهم يظنون أنهم إذا تابوا في آخر عهدهم بالدنيا فإنهم يحرزون حسنى الآخرة ، كما ظفروا بحسنى الدنيا بأموالهم المودعة في المصارف .

وقد أعرب عن فكرتهم هذه ( Sammuel Butler ) في كتابه بقوله: (( إن بعض المؤلفين يقولون: إنا لا نستطيع أن نجمع بين عبادة الله وعبادة المال ، وأنا أسلم أن الأمر ليس بميسور ، ولكن متى تكون المهمات في الدنيا ميسورة سهلة ؟

فمهما اختلفنا في المبادئ فإن الحقيقة الراهنة أن كلنا راسخ في تقليد بتلر واتباعه ، فنحن مشغوفون بحب المال ، وعقيدتنا أن الثروة هي المقياس الصحيح لعظمة الفرد والحكومة ، وكانت سببًا لظهور مبدأين لهما الأهمية التاريخية الكبرى .

أحدهما: مبدأ عدم التدخل الاقتصادي الذي كان سائدًا على القرن التاسع عشر ، ويدعي أصحاب هذا المبدأ أن الإنسان يبني عمله على أعظم نفع يجلبه ، وأن ليس الباعث على الأعمال الالتذاذ بالعواطف القلبية بل الالتذاذ بالثروة .

والمبدأ الثاني الذي يسود القرن العشرين: هو مبدأ التنظيم الاقتصادي المنسوب إلى ماركس ، ويقوم هذا المبدأ على أن نظام الإنسان الاقتصادي إنما يتأسس على حوائج الإنسان المالية ، وهذا النظام هو الذي يخلق الأدب والأخلاق والدين والمنطق ونظام الحكومة ، ولم يكن هذان المبدآن لينالا القبول الذي نالاه لولا شغف الناس في بلادنا بالمال والاهتمام الزائد به )) .

ويقول في مكان آخر من هذا الكتاب:

(( إن نظرية الحياة التي تسود على هذا العصر وتحكم عليه: هي النظر في كل مسألة وشأن من ناحية المعدة والجيب( stomach and pocket view of life) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت