فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 301

(( يصعب علينا الآن أن ندرك تلك الدهشة والاستغراب الذي فاجأ أجددنا عندما ظهر كتاب أصل الأنواع لدارون ، وعندما جاءت النتائج أن دارون اثبت - أو يظن أنه أثبت - أن عمل ارتقاء الحياة على هذا الكوكب( الأرض ) لم يزل مستمرًا متوصلًا من ظهور الأميبا (Amoeba) وفرخ البحر (Jelly Fish) في أشكاله الأولى إلى أشكاله النهائية العليا وهي أرقى أشكال الحياة وأعلاها ، فلم يزل عمل الارتقاء من الأميبا إلى طورنا متواصلًا غير منقطع )).

(( بالعكس من ذلك أن الذين عاشوا في عصر فكتوريا إنما أرشدوا أن الإنسان خلق مستقل ، وهو في الحقيقة نوع من ملك منحط ، أما إذا كان دارون مصيبًا فالإنسان لم يكن إلا قردًا راقيًا ، فعز على أهل عصر فكتوريا أن يكون الإنسان قردًا راقيًا بدل أن يكون ملكًا منحطًا ، وما طابت لهم هذه النظرية واجتهدوا أن يخلصوا الإنسان من هذه السبة التي لحقتهم من هذه العقيدة في الإنسان واقترحوا لذلك اقتراحات [1] ) .

إقبال الجمهور على نظرية الارتقاء:

ولكن الجمهور والدهماء من الناس تلقوا هذه النظرية بالقبول - رغم ما فيها من ضعف ونقص من الوجهة العلمية - فهموها أو لم يفهموها - وكأن الأذهان كانت متهيئة لمثل هذه النظرية ، وكأن الناس وجدوا فيها منافسًا للدين ورجاله ، وصعب على رجال الدين أن يعارضوا هذا التيار الجارف من أفكار الناس وأذواقهم والسيل العرم من المنشورات والمحاضرات ، فوضعت الكنيسة أوزارها في هذه الحرب حتى إذا مات دارون سنة 1883 م منحته الكنيسة الإنجليزية أكبر شرف تمنحه لإنسان ، وذلك بأنها أذنت بدفنه في ويست منسترايبي محل دفن الرجال الدينيين .

وكان تأثير هذه النظرية بعيدًا عميقًا في الأفكار والحضارة والأدب والسياسة تراه وتلمسه في أخلاق الناس ، وفي نزعات الرجوع إلى الفطرة وإلى العهد الذي كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت