(( فكما حصل عند الترك حصل عند الفرس وصار ناشئتهم يبحثون عن أديانهم القديمة التي منها الكيومرتية( أي تعظيم النور ) والتحرز من الظلمة . ومن هنا جاءتهم عبادة النار ، ومنها فرقة ( زرادشت ) الذي كان يدعو إلى وحدانية الله ، ويقول: إنه خالق النور والظلمة وإن الخير والشر إنما حصلا بامتزاجهما ، وإنهما لو لم يمتزجا لما كان وجود للعالم ، إلى غير ذلك من العقائد والأوابد والآثار التي كانت عند قدماء الفرس: كالثنوية ، والزردشتية ، والمانوية ، ومنهم من يبحث عن المزدكية التي كانت تدعو إلى الإلحاد والإباحية [1] ) .
الديانة القومية الأوربية وأركانها:
والخطوة الثانية في هذا الطريق أن أصبحت الشعوب والدول في أوربا ، الصغيرة منها والكبيرة ، عوالم مستقلة لا ترى العالم خارج الخطوط التي خطتها الطبيعة من جبال وأنهار ، أو خطتها بيدها من غاية سياسية واستعمار ، ولا تعترف بوجود الإنسان في غير منطقتها فلا تحترمه ولا تعرفه ، واتخذت نفسها إلها تدين له بكل ما يدين به العباد المخلصون من عبادة وتقديس وأضاح هي دماء الآخرين ونفوسهم وأموالهم وبلادهم ، وقتال في سبيله ، وتفان في طاعته ، ومحيا وممات لأجله ، وهذا الدين القومي يشتمل على شيئين: إيجابي وسلبي ، أما الإيجابي فهو الاعتقاد بأن الشعب أو الأمة فوق كل شيء ، وأفضل من كل شيء ، وأن الله - إذا كانت الأمة تعترف به وتعتقد أو ترى أن من المصلحة أن تستعمل هذه الكلمة - لم يخلق أفضل من هذه الأمة ، ولا أنجب منها ، ولا أذكى ولا أقوى ولا أحق بالحكم والسيادة والولاية على الأمم ، والرعاية للعالم منها ، وأنها أمينة ووكيله ووصيه في الأرض ، ولم يخلق بلادًا أحب إليه من هذه البلاد ، ولا تربة أذكى من تربتها ، وهذا هو الدين القومي الذي لا يسمح لإنسان أن يعيش في بلاده حتى يؤمن به .
ولا تختلف شعوب أوربا الحاضرة ودولها في هذه الديانة القومية إلا في الصراحة والنفاق ، وأن بعضها تقول وتفعل ، وبعضها تفعل ولا تقول ، فإن بذرة القومية
(1) 219) حواشي حاضر العالم الإسلامي الجزء الأول ص 164 - 165 .