فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 301

والوطنية إذا ألقيت في أرض فإنها لا تلبث أن تنشأ وتمد عروقها في الأرض ثم تصير شجرة ، فدوحة تظلل الأمة ، ولا يمكن لشعب أن يؤمن بالقومية ، ثم لا يعتدي ولا يتطاول أو لا يريد أن يعتدي ويتطاول ولا يمقت الآخرين ، ولا يزدريهم ، كما لا يمكن أن يسرف الإنسان في الخمر ، ثم لا يسكر ولا يهذي كما قال الشاعر:

ألقاه في البحر مكتوفًا وقال له *** إياك إياك أن تبتل بالماء

خصوصًا إذا كان العلم والأدب والشعر والفلسفة والتاريخ وحتى العلوم الطبيعية متعاونة على إنشاء العاطفة القومية والنعرة الشعبية والخيلاء الجنسية والفخر بالآباء والتعظيم بالماضي ، ولا يكون رادع من خلق ولا وازع من دين ، وتولى القيادة رجال لا يعرفون غير القومية والمجد القومي غاية مرمى ، ومن مقومات هذه الحياة القومية التي لا تقوم بغيرها ، الكراهة والخوف ، وذلك هو الجزء السلبي في دين القومية ، فإن الحماسة القومية لا تظهر ولا تبقى حتى يكون للشعب ما يكرهه ويخافه ، فلا يزال القائدون يثيرون الكامن من عواطفه ، ويذكرون الخامد من حميته ويضربون على الوتر الحساس وهو الكراهة والخوف ، فلولاهما لانقشعت سحابة القومية وتراجع سيلها .

وقد حلل ذلك الأستاذ (( جود ) )تحليلًا فلسفيًا نفسيًا فقال:

(( إن العواطف التي هي مشتركة والتي يمكن إثارتها بسهولة هي عواطف المقت والخوف التي تحرك جماعات كبيرة من الدهماء ، بدل الرحمة والجود والكرم والحب ، فالذين يريدون أن يحكموا على الشعب لغاية ما ، لا ينجحون حتى يلتمسوا له ما يكرهه ويوجدوا له من يخافه ، وإذا أردتُ أن أوحد الشعوب ينبغي أن أخترع لهم عدوًا على كوكب آخر - على القمر مثلًا - تخافه هذه الشعوب ، فلم يعد من دواعي العجب أن الحكومات القومية في هذا العصر في معاملتها لجيرانها إنما تقاد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت