فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 301

زوال العاطفة الدينية:

لما طغى بحر المادية في العالم الإسلام في العهد الأخير وفاض ، كون رجال الدين جزرًا صغيرة في بحر المادية المحيط ، يلجأ إليها الفارون إلى الله والمتبرمون من الحياة المادية والغفلة ، كان فيها رجال هم كمنارات النور في البحر الظلمات يربون الناس التربية الدينية والخلقية ، ويزكون أنفسهم ويصقلون قلوبهم .

وكنت ترى في العالم الإسلامي حركة مستمرة إلى هذه الجزر ؛ فترى قوافل لرواد الروحانية ومنتجعي التربية الدينية غادية رائحة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ، ومن أقصى شمال العالم الإسلامي إلى أقصى جنوبه ، متخطية الثغور السياسية مجتازة العقبات الجغرافية ، فترى هذه الجزر مستعمرات دينية ، قد أمحت فيها الفروق الجنسية والوطنية ، وترى متحفًا إنسانيًا قد اجتمع فيه الشرقي مع الغربي والبخاري مع المغربي والأناضولي مع الأندنوسي ، قد فروا بدينهم من الفتن ورموا بأنفسهم على عتبة ربهم ، يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ويتلقون التربية الدينية ثم ينبثون في أنحاء العالم دعاة مصلحين ومعلمين مرشدين ، يلتقطون نصيب الله من بين نصيب الشيطان ويحيون أرضًا مواتًا من القلوب ، ويبذرون فيها بذور الدين .

وكذلك لم تزل في جنب أقوى الدول وأوسعها دول روحية يفوق سلطانها الروحي سلطان المادي ، فيها رجال تأتيهم الدنيا راغمة ويأتيهم الملوك والأمراء صاغرين ، ولهم نظام كنظام الدول ينصبون ويقرون وينقلون ويستخلفون ، ولهم (( قناصل وسفراء ) )في كل دولة مادية وكأن خارطة العالم الإسلامي بين أيديهم ، فإذا خلا ثغر من ثغور الإسلام نصبوا فيه مرابطًا دينيًا يحفظه من عادية الغفلة والمعصية ، ويحرسه من غاشية الجهل والطغيان [1] .

(1) 242) حديث الشيخ الصالح السيد علي الهجويري دفين لاهور أن شيخه أمره بالرحلة إلى لاهور والإقامة فيها ، فاعتذر بأن هناك زميله الشيخ حسين الزنجاني فلا لزوم لذهابه ، فقال: لا بد أن تذهب وتقيم بها: قال: فشددت رحلي وامتثلت أمر الشيخ ووصلت إلى لاهور في الليل وقد غلقت أبوابها فبت ليلتي خارج السور . ولما أصبحت وفتح باب السور إذا بالناس يحملون جنازة الشيخ حسين ، فعرفت سر أمر الشيخ ودخلت البلد . وخلفته في عمله دعاء الخلق إلى الله ( كشف المحجوب للهجويري )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت