وكانت هذه الدول الروحية مستقلة في إدارتها ونظامها الداخلي ، لا يتداخل فيها الملوك والأمراء ولا تؤثر فيها التقلبات السياسية والحوادث المحلية ؛ ولضرب لذلك مثلًا بالمستعمرة الروحية المعروفة بغياث فور ، التي أنشأها الشيخ نظام الدين البداوني الهندي (( م 725 هـ ) )في نفس عاصمة الهند وقد عاصر الشيخ ثمانية من الملوك الجبابرة (( من غياث الدين بلبن 664 - 686 إلى غياث الدين تغلق 720 - 725 ) )وحافظت على استقلالها التام من غير أن تمسها يد الملوك ، وكنت ترى فيها رجالًا من سنجر في إيران إلى رجال من أوده في شرق الهند .
وقد كان لهذه المراكز ولأصحابها الفقراء من المهابة والحشمة والاحترام الفائق ما قد يحسدهم عليه أكبر ملوك العالم ، وقد يكون هذا سبب الوحشة بينهم ، وما ذاك إلا لإقبال الناس على رجال الدين واحتفائهم والخضوع للسلطان الروحي ، فكان السيد آدم البنوري الهندي ( م 1053 هـ ) دفين البقيع يأكل على مائدته كل يوم ألف رجل ، ويمشي في ركابه ألوف الرجال ومئات من العلماء ، ولما دخل السيد في لاهور عام 1053 كان في معيته عشرة آلاف من الأشراف والمشايخ وغيرهم ، حتى توجس شاهجان ملك الهند منه خيفة ، فأرسل إليه بمبلغ من المال ، ثم قال له: قد فرض الله عليك الحج فعليك بالحجاز ، فعرف إيعاز الملك ، وسافر إلى الحرمين حيث مات [1] .
وهذا الشيخ محمد معصوم ( م 1079 ) ابن الشيخ الكبير أحمد السرهندي قد بايعه وتاب على يده تسعمائة ألف من الرجال ، واستخلف في دعاء الخلق إلى الله وإرشاد الناس وتربيتهم الدينية سبعة آلاف من الرجال [2] .
وهذه ابنه الشيخ سيف الدين السرهندي (م 1096) كان يأكل على مائدته ألف وأربعمائة ، ويقترحون الأطعمة ويتخيرونها [3] .
(1) 243) التذكرة الآدمية ( الفارسية ) .
(2) 244) نزهة الخواطر ، المجلد الخامس ، للشيخ عبدالحي الحسني .
(3) 245) ذيل الرشحات ( الفارسية )