وهذا الشيخ محمد زبير السرهندي ( م 1151 ) كان إذا خرج من بيته ألقى له الأغنياء الشيلان والمناديل حتى لا يطأ الأرض ، وإذا خرج لعيادة مريض أو لبعض شأنه خرج في ركابه الأغنياء والأمراء فكان موكبًا مثل مواكب الملوك [1] .
وهذه أمثلة قليلة لا نقصد منها إلا الاستدلال على ما كان للدين من مكانة وشرف في عيون الناس ، وعلى ما كان من احتفاء برجاله ومن يمثلونه ، وخضوعهم لسلطان الدين فوق سلطان القوة ، وتهافتهم على موارد الدين ومشارعه ، وهذه أمثلة التقطناها على عجل من تاريخ الهند الإسلامي ولمحات عابرة فيه ؛ ولو ذهبنا نستقصي أمثلته وشواهده من تاريخ الإسلام العام ومن تراجم الرجال الدينيين وسيرهم في بلاد الشام ومصر والمغرب الأقصى والعراق لكان مجلدًا كبيرًا - ونكتفي هنا بذكر الشيخ خالد الكردي ( م 1242 هـ ) الذي ازدحم الناس عليه في بغداد يتوبون على يديه ويستفيدون منه ، وقد أخبر شيخه في رسالة كتبها إليه أن مائة من العلماء الفحول قد تخرجوا عليه ، وأن خمسمائة من كبار العلماء قد دخلوا في بيعته ، وأما العوام والخواص فلا يأتي عليهم حصر [2] .
واستمر هذا الإقبال على الدين والهجرة في طلب العلم النافع والعمل الصالح ، وتجشم الأسفار والأخطار لزكية النفس وتهذيب الخلق والتوصل إلى معالم الرشد والاستعداد للآخرة إلى أول عهد الاستعمار الأوربي ؛ فترى في كل قطر إسلامي مراكز دينية وملاجئ روحية يأوي إليها أهل الطلب من سائر الآفاق ، وتخطبهم الدنيا والمناصب العالية في الحكومات فيأبون إلا فرارًا ، ويلجأون إلى هذا المحيط الهادئ الروحي ، ويكبون على إصلاح باطنهم وسل حظ الشيطان منه .
وتتعدى في الحضارة إلى أواسط القرن الثالث عشر الهجري وقد احتل الإنجليز الهند ، ولما تؤثر حضارتهم وفلسفة حياتهم في مجتمع البلاد ، فترى بقايا من الحياة الدينية
(1) 246) در المعارف ( الفارسية ) ، نزهة الخواطر ( العربية ) .
(2) 247) در المعارف