ليشتريها من يزيد في الثمن كائنًا من كان ، فليس الشأن عندهم في العقيدة ولا في الغرض والنتيجة ولا في الملاءمة والذوق ، إنما الشأن عندهم في الثمن الذي يدفعه المشتري .
وكل يوم نطلع على مضحكات مبكيات في هذا الباب ، فهذا الأستاذ كان أمس في معهد إسلامي يدرس العلوم الإسلامية والتاريخ الإسلامي ، وقدمت غليه الكلية الكاثوليكية الفلانية وظيفة تدريس براتب يزيد على راتبه السابق بخمسة جنيهات فانتقل إليها ، وهذا السيد فلان كان في وزارة المعارف سابقًا ، وكان شابًا مثقفًا وعالمًا له هوى في التحقيق والدراسة ، تقرأ له مقالات علمية في المجلات الراقية ، فإذا به ينتقل فجأة إلى مصلحة الطيران أو الإذاعة ، وسألناه: ماذا حدث له حتى غير طريقه وقلب تيار حياته ؟ فأخبرنا أن ذلك لأجل أنه يربح في مركزه الجديد عشرة جنيهات ، وهذا البحاثة الفلاني كتب مقالة عن التصوف الإسلامي ونال بها ثناء أهل العلم قد تحول إلى وزارة الخارجية أو أصبح ترجمان دولة أوروبية ، وما هو إلا لأجل زيادة بمقدار بضعة جنيهات ، أوليس هذا لأن الربح المالي قد أصبح كل شيء ، ولأن الذهب اللماع أصبح المتصرف الوحيد في مناهج الحياة والمسيطر الوحيد على الأرواح والعقليات ؟! .
قرأنا في التاريخ الإسلامي أن المنصور الخليفة العباسي المشهور طلب من ابن طاوس في مجلس أن يناوله الدواة ليكتب شيئًا فامتنع ، فسأله الخليفة عن سبب امتناعه وعدم امتثاله أمر خليفة المسلمين ، فقال: أخاف أن تكتب بها معصية فأكون شريكك فيها ومتعاونًا على الاثم والعدوان . إلى هذا الحد وصل بهم تمسكهم بقوله تعالى: { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } أما امتناعهم عن قبول منصب القضاء في نظام لا يرضونه ولا يرتاحون إلى سيره وتفاصيله فرواياته بلغت حد التواتر ، واطردت في أدوار الحياة الإسلامية الأولى .
قارن هذا الاحتراس من التعاون على الإثم والعدوان ، وهذا التعفف عن المشاركة في نظام غير صحيح ، والامتناع من أدنى مساعدة لهدف لا يتفق ومصالح الأمة