فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 301

وكذلك كان الناس يعدون العلم عارية مقدسة ووديعة من الله لا يبيعونه كسلعة في السوق ، ولا يتعاونون به على إثم آثم وعدوان معتد ، وكانوا لا يرضون أن يستعين به نظام جائر أو حكومة غير إسلامية .

ومما حكى لنا الثقات وقرأناه في التاريخ أن الشيخ عبدالرحيم الرامبوري ( م 1234 هـ) كان يعمل في بلدة رامبور براتب زهيد يتقاضاه كل شهر من الإمارة الإسلامية لا يزيد على عشر روبيات ( أقل من جنيه مصري ) فقدم إليه حاكم الولاية الإنجليزي المستر هاكنس وظيفة عالية في كلية بريلي راتبها مائتان وخمسون روبية ( تسعة عشر جنيهًا مصريًا ) ، وذلك يساوي خمسين جنيهًا في هذا العهد ، ووعد بالزيادة في الراتب بعد قليل ، فاعتذر الشيخ عن قبوله وقال: إني أتقاضى عشر روبيات وإنها ستنقطع إذا تحولت إلى هذه الوظيفة . فتعجب الإنجليزي وقال: ما رأيت كاليوم: أنا أقدم راتبًا يزيد على راتبك الحالي بأضعاف أضعاف ، وتترك الأضعاف المضاعفة وتقنع بالنزر اليسير !. فتعلل الشيخ بأن في بيته شجرة سدر وهو مغرم بثمرها وأنه سيحرمها إذا أقام في بريلي . ولم يفطن الإنجليزي بعد إلى مقصود الشيخ . فقال: أنا زعيم بأن هذا الثمر يصل إليك من رامبور إلى بريلي ، فتشبث ثالثة بأن حوله طلبة وتلاميذ يقرؤون عليه في بلده فلو انتقل إلى هذه الوظيفة انقطعت دروسهم . ولم ييأس الإنجليزي المناقش من إقناعه فقال: أنا أجري لهم جرايات في بريلي ويواصلون درووسهم هناك ، وهنا أطلق الشيخ آخر سهامه الذي أصمى رميته فقال: وماذا يكون جوابي غدًا إذا سالني ربي: كيف أخذت الأجرة على العلم ؟ وهنا بهت الإنجليزي وسقط في يديه وعرف نفسية العالم المسلم ، وقضى الشيخ حياته على أقل من جنيه يأخذه كل شهر .

قارن هذه الروح السامية والنفس الكبيرة التي تربا بالعلم أن يباع بيع السلع , و تغار على العقيدة والكرامة أن تشترى بمال أو منفعة , بهذا التبذل والإسفاف الذي وصل إليه أهل العلم والعقل والصناعة في هذا الزمان , فقد عرض كثير من علمهم وعقلهم وما يحسنونه كالسلع في الأسواق ، يبيعونها بالمناداة ( المزاد العلني )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت