فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 301

سيرة وخلق وتهذيب ، إلا أنها لا ترضى أن يتولى أمرها النزلاء الأجانب ويقيموا عليها الحجر كما يقام على السفيه ، وأن تكون للأوربيين عليها دول وإمبراطوريات ينعمون في ظلها ويرتعون في جنباتها ، ولا يكون لها مثلها في الشرق وأفريقية وآسية ، ولا تستمتع حتى في داخل بلادها بما استمتع به الأوربيين ماديتهم وتنقم منهم أخلاقهم وسيرتهم وتنعى عليهم فلسفتهم ومبادئهم فلعل ذلك لا يخطر منها على بال ، بل قد زين لها كل ما تتصف به الأمم الأوربية فحلا في عينها .

وكلما سنحت لهذه الأمم فرصة الاستقلال وملكت زمام أمورها تجلت أخلاقها ومبادئها وظهرت سيرتها الجاهلية في صورتها الطبيعية الحقيقية ، فإذا هي أفضع صورة وأبشعها في التاريخ ، قساوة قلب وضراوة بالدم الإنساني وهتكًا للأعراض ونهبًا للأموال وقتلًا وتدميرًا ، وقد ظهرت من بعض هذه الشعوب الآسيوية على أثر استقلالها من الحكم الأجنبي فظائع ومنكرات تستبشعها الوحوش والسباع وتستك منها الأسماع ، فقد عاملت بعض الشعوب المواطنة بعصبية دينية وسياسية ، معاملة عز نظيرها في التاريخ ، رضعاء يقتلون ويُقطعون إربًا إربًا ، ونساء تهتك أعراضهن ثم يقتلن من غير رحمة ولا حياء ، وآبار تسمم وبيوت تهدم ونيران تشعل وقنابل تقذف ، وإذا دخلوا قرية فاتحين منتشرين أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ووضعوا فيها السيف ، وعاث الوحوش في الدماء والأعراض حتى أقفرت القرى ، وامتلأت الآبار بالسيدات اللاتي آثرن الموت على هتك الأعراض ، هذا عدا نساء قتلن بهمجية وطرق فظيعة لم تسبق في التاريخ ، إلى غير ذلك من الأفاعيل التي يشك فيها الناس في البلاد الإسلامية والمتحضرة .

هذا غير ذلك الاضطهاد الديني والمقاطعة الاجتماعية التي تلقاها تلك الطوائف في بلادها ، وما تلقى ثقافتها وديانتها من مطاردة ومهاجمة من تلقاء هذه الشعوب فتحرم الحرية الثقافية واللسانية وترغم على لغة مصطنعة دائرة ، ويحاول الأقوياء أن يمحوا كل أثر من آثار حضارتها وثقافتها ويختلقوا عليها الأكاذيب والجنايات ، ويمثلوا قصة الحمل والذئب كل يوم ، فيعزل رجالها من الوظائف وتسد في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت